آخر تحديث: الجمعة 21 يناير 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
من صفات المجتمع المنشود: العبودية والحرية

من صفات المجتمع المنشود: العبودية والحرية

تاريخ الإضافة: 2007/07/13 | عدد المشاهدات: 3610

أما بعد، فيا أيها الأخوة المسلمون المؤمنون:

ذكرت لكم في الأسبوع الماضي أن صفات المجتمع المطلوب بشكل عام من قبل الناس كافة، هي العدل والحرية والمعرفة والفضيلة. وفصَّلت في صفة الفضيلة فذكرت مجموعة قيم تكوِّن ما أسميناه بالفضيلة، لكن واحداً منكم سألني بعد خطبة الأسبوع الماضي، فقال لي: أريد أن تفصِّل لنا في صفات المجتمع المسلم. بعبارة أخرى ما صفات المجتمع الذي يريد الإسلام أن يؤسسِّه، وأن ينشئه، وأن يوجده ؟ ما الصفات التي يتصف بها المجتمع الذي جاء القرآن من أجل بنائه، وجاء الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من أجل تكوينه ؟

حينما سألني هذا الأخ ذاك السؤال عدت إلى نفسي وإلى القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وبدأت ألملم المعلومات المتعلقة بذلك، في النهاية وصلت إلى الصفات حسب رأيي والسِّمات التي يجب أن يتصف بها المجتمع المسلم المدعي والمعلن بأنه ينتمي للقرآن كتاباً، وللرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ورسولاً، ولله رباً قبل كل شيء، ولهذا الإسلام ديناً، وجدت هذه الصفات التي يجب أن يتصف بها المجتمع، حسب معطيات القرآن والسنة والتراث عندنا في ديننا، ثنتي عشرة صفة، قلت في نفسي، لأجعلن منها سلسلةً أحدث الناس عنها في يوم الجمعة.

هذه الصفات ثنتي عشرة صفة يتصف بها المجتمع الذي ينتمي للقرآن، قد لا نكون نحن في مجتمعنا هذا الذي نعيشه نتصف بها، لذلك قلت المجتمع الذي ينتمي للقرآن انتماءً صادقاً، هذه الصفات سأذكر بشيء من التفصيل لكل خطبة ثلاث صفات  منها، وسيكون ذلك إذاً على أربع خطب وأربعة أسابيع، سأعرضها عليكم في مستهل كل خطبة من هذه الخطب الأربع، وسأتناول بشيء من التفصيل ثلاثاً منها في كل خطبة، أما هذه الصفات في المجتمع الذي يريد أن يتكون على أساس من القرآن والسنة والتراث والفقه ومقولات التابعين وتابع التابعين والمفكرين الإسلاميين هذا المجتمع صفاته ما يلي:

1-  مجتمع العبودية لله.

2-  مجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3-  مجتمع الحرية.

4-  مجتمع الشورى.

5-  مجتمع العدل.

6-  مجتمع التكافل والرخاء.

7-  مجتمع التسامح.

8-  مجمع الاقتصاد المتوازن العادل.

9-  مجتمع العلم والمعرفة.

10- مجتمع الأخلاق والقيم.

11- مجتمع القوة والجهاد.

12- مجتمع التقدم والتطور .

هذه الصفات التي ذكرتها والتي تَعُد ثنتي عشرة صفة هي صفات المجتمع المنشود والمطلوب عبر مرادات القرآن الكريم والسنة الشريفة والفقه الإسلامي التي أنتجته عقول الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا.

أولاً سأتناول بالتفصيل أو بشيء من التفصيل  ثلاث صفات وهي:

 1-مجتمع العبودية لله.

2-مجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3-مجتمع الحرية.

وسنتابع في الأسابيع القادمة شرح الصفات المتبقية.

أولاً: مجتمعنا المنشود يتصف بالعبودية لله من خلال العبادات المباشرة والغير مباشرة: أما العبادات المباشرة فهي الصرفة: الصلاة والصيام والزكاة والحج، وهي الأركان. ومن خلال العبادات الغير مباشرة، وهي: كل عمل نافع خير تبتغي من ورائه مرضاة ربك، وتسعى لأن يكون العمل موافقاً لمطلوبات ربك منك، مجتمع العبودية لله، ولذلك قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماءاً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾ وإذا لم تكن تعبد الله الذي خلقك، فقل لي بربك من الذي ستعبد عبر قناتي العبادة الغير المباشرة والصرفة، وقناة العبادة غير المباشرة.

ثانياً: مجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ولعل هذه الفريضة غابت كما ألمحنا في أكثر من مناسبة، غابت عن أذهاننا، وأضحت وظيفة جافة لدى بعض الناس القائمين عليها بحكم الوظيفة، ففي السعودية هنالك كما يقال جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي عبارة عن إدارة وظيفية يقوم الموظفون فيها بممارسة هذه الوظيفة بشكل جاف، وبشكل غير مقبول، وبشكل لا يمكن للإنسان العاقل السوي أن يستسيغه، أنا لا أقول بأن صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن تمارس بشكل وظيفي، لا، لكنني أريد أن تمارسوها أنتم بشكل رسالي ودعوي، فكلكم معنيون بهذه الصفة، وكلكم حيث يكون الواحد منكم في دائرته، في بيته، في مسجده، في وزارته، في حكومته، بدءاً من الرئيس وانتهاءً بأقل مرتبة وظيفية يشغلها إنسان ما، ولا أقول بأقلِّ إنسان من حيث المقدار.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سر التميز والخيرية التي ميزنا الله بها، أولستم تقرؤون قول الله عز وجل: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾، فيا شبابنا، ضعوا هذا في أذهانكم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سر الخيرية التي ميزنا الله بها، هذا أولاً.

ثانياً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رابط الولاية بين المسلمين والمؤمنين، أنت وليّي وأنا وليك، فما الذي يربط ولايتنا التي هي بيننا ؟ الذي يربط الولاية بيننا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الله قال: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة﴾ وقد قُدَّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل عبادة أخرى، فهذه الصفة سر الخيرية ورابط الولاية، فعليك ألا تقصِّر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال كما يروي أبو داود والترمذي والنسائي: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم بعقاب منه) وما لي أراكم اليوم وأرى نفسي أمة هامدة لا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر أو تحتجون بالخوف والهيبة ؟ فاسمعوا ما قال النبي في هذا الشأن: (إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم، يا ظالم، فقد تودع منهم) والحديث يرويه أحمد، وأعتقد أنه قد تودع منا، لو سألت كل واحد منكم، هل تشعر بالظلم، سيقول: نعم، فهل تقول للظالم الذي تأكدت من ظلمه إياك يا ظالم، أي تريد أن تنصحه، وتريد أن يرعوي عن ظلمه، ستقول: إني أخاف. أقول لك: لقد خافت الأمة كلها وقد تودع منها، انتهت الأمة، وهذه هي حالنا، لقد انتهينا شئتم أم أبيتم، وأنا لا أقول هذا من أجل تبليغ واقع مخجل، ولكن أقول هذا من أجل استنهاض همة فيكم، ترون الظلم يتتابع، ثم بعد ذلك تهابون أن تقولوا للظالم يا ظالم، يا أمتي الزموا الأمر بالمعروف والزموا النهي عن المنكر، من خلال الالتزام بآداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من خلال تأسيس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أساس العلم والمعرفة والإخلاص، أنا لا أريد منك أن تقول للظالم يا ظالم، وأنتَ لا تعرف وغير متأكد من أن هذا الإنسان ظالم أم لا، ولا أريدك أن تقول يا ظالم بأسلوب خشن، ولا أريدك أن تقول يا ظالم وأنت تؤسس هذا على غير إخلاص لله عز وجل، تقول للظالم يا ظالم من أجل أن تُسمى معارضاً ومن أجل أن تجمع الناس حولك فبئس ما تصنع وبئس ما تفعل، وتذكر أنك عبد لربك وعليك أن تخلص النية له، فإنك أشركت بالنية فالعمل مردود عليك وإن كان العمل جهاداً. مجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صفة ثانية.

الصفة الثالثة: مجتمع الحرية، وأريد في هذه القضية أن أقول بأن الحرية لا تعني ترك العنان لنفسك وشهواتك ونزواتك، لا تقل لمن ينصحك بالابتعاد عن الشهوات والنزوات بأنك حر فهذه ليست حرية، ليست الحرية في الانسياق مع النزوات والشهوات والهوى، أيها الضائعون الباحثون التائهون في بحثكم عن وجودكم أو عن وجود كريم، ليست الحرية انعتاقاً من الآداب والأخلاق والواجبات، وليست الحرية سبحاً في الشهوات والنزوات، ليست الحرية هذه، وما أعتقد أن غربياً ولا شرقياً فسر الحرية هذا التفسير، كما أن الحرية ليست طعناً وشتماً، حينما تطعن وتشتم وتسب فهذه ليست حرية وليست ممارسة للحرية، إذاً ما الحرية ؟

الحرية باختصار: تمعن ودراسة وبحث وتمحيص، حتى إذا ما وصلت إلى قناعة فما عليك إلا أن تمارس هذه القناعة بجلادة وقوة ومجاهدة، الحرية تبصر وممارسة لما أسفر عنه التبصر، ممارسة جادة، ممارسة قوية، ممارسة صلبة، ممارسة لا تعرف الهوادة، لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حراً بل سيد الحرية، فكر وتبصر وتمعن وإذ به يصل إلى قناعة أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، مارس كل ما تقتضيه هذه القناعة فعبد الله ودعا إلى الله وإذ بالمانعين والمثبطين يأتونه ليثنوه وليلفتوه عن هذا الذي هو فيه، وقف أمامهم يسجّل كلمة حر في ساحة حرية: يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه. هذه كلمة حر فهل نحن قادرون أن نمارس بقوة وجلادة وصبر وثبات وتحمل ما أسفرت عنه قناعاتنا التي جاءتنا بعد دراسة وتبصر وتمعن أم أننا سنسقط عند أول ترغيب أو ترهيب ؟ أعتقد أن السقوط يتوالى وأن الساقطين يكثرون وأن أولئك الذين ينزاحون أيضاً يكثرون، وبالتالي غدونا أرقاماً في عالم مادي لا يتخلق بالأخلاق إلا ادّعاءً وكلاماً، غدونا أرقاماً في معمل كبير لا ينتج إلا الضياع واللهو والفجور والمجون والظلم والقسوة والقهر، وهذا ما تعيشونه ونعيشه، أنا لا أتحدث عن قهر من حكومة لشعب، لكن أتحدث عن قهر من شعب لشعب، ومن حكومة لشعب، ومن حكومة لحكومة، ومن شعب لحكومة، أتحدث عن قهر متبادل يمارس من قِبل الوالد على ولده، والولد على والده، والزوج على زوجته والزوجة على زوجها، والأم على ابنتها والبنت على أمها، والشيخ على مريديه والمريد على شيخه، وهكذا... وحدِّث ولا حرج عن الابتعاد عن ساحة الحرية والابتعاد يطول ويمتد.

الحرية ممارسة لقناعة وصلتَ إليها بعد تمعن. هذه هي الحرية وعلينا أن نتذكر دائماً ربنا عز وجل حينما قال: ﴿لا إكراه في الدين﴾ علينا أن نتذكر أن حرية التعبير في ديننا مصونة، وأن حرية النقد في ديننا وفي مجتمعنا المنشود مصونة، وأن حرية العمل مصونة، وأن حرية إعلان الرأي مصونة هكذا ننشد، لكن هل نتصرف هكذا ؟ القضية خطيرة من حيث التصرف، فليس مجتمعنا مجتمعاً حراً بل مجتمعنا يسقط في عبودية لغير الله، كلنا يعبد ذلك الذي يلوح أمام ناظريه ينقاد له، يستسلم له بكليته، فإن كانت عنده قناعة ما عبر التمعن والتبصر باعها بدريهمات بخسة، باعها بمنصب بخس، منصب لا يَمُتُّ إلى منصب الفخار والكرامة في الدنيا والآخرة بصلة، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟ متى استعبدت الأجير أيها المالك يا صاحب المصنع وقد ولدته أمه حراً ؟ متى استعبدت التلميذ أيها الأستاذ وقد ولدته أمه حراً ؟ متى استعبدت ولدك أيها الأب وقد ولدته أمه حراً ؟ متى استعبدت الشعب أيها المسؤول وقد ولدته أمه حراً ؟ متى استعبدت الفقير أيها الغني وقد ولدته أمه حراً ؟ متى استعبدت أيها الطبيب ذاك المريض الذي بين يديك وقد ولدته أمه حراً ؟ متى استعبدت أيها المسؤول في مكان ما هذا الذي يقف أمامك يخافك وليس هذا بدالٍ على شخصية قوية فيك، بل إن خاف الذي أمامك وارتعدت فرائصه فهذا دليل على ضعفك، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟

لا يسعني في النهاية إلا أن أقول: نحن نُنظِّر فهل من ساعة آتية نُحوِّل هذا الذي نقوله إلى واقع ؟ أرجو الله وأسأله ألا يكون كلامنا حجةً علينا، إن هذا يبكيني ويؤلمني، أنا أبكي وأتألم وأنتم تبكون وتتألمون، لأننا أمة غدت قوالة، غدت أمة تتحدث، لكنها ابتعدت عن العمل والتطبيق والممارسة، فهل من ساعة آتية نطبق فيها ونعمل ؟ أسأل الله ذلك، وأدعوكم إلى أن تفكروا بجد حتى تُتبعوا القولَ العمل، وحتى تقرنوا القول العمل معاً، اللهم إني أسألك أن تردنا إلى ديننا رداً جميلاً، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 13/7/2007

التعليقات

انسة على الخط

تاريخ :2007/12/01

انا يعجني الخطب لدكتور محمود عكام ليوم الجمعة، وحابا استفسر عنها، لانوا الاستاذه طالبه مننا خطبه حربيه. محفليه . دنيه . سياسية " الله يجعلنا من اهل الجنه إنشاء الله " والسلام عليكم ورحمة الله وشكرا

شاركنا بتعليق