آخر تحديث: الثلاثاء 17 مايو 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
غايات الحج

غايات الحج

تاريخ الإضافة: 2007/11/30 | عدد المشاهدات: 2882

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

هذه الأيام أيام حج، ولعلّ بعضكم ينوي وقد استعدّ لأداء هذه الفريضة، أو لعلنا نعرف من يستعد لهذه الفريضة، المهم أننا نعيش في ظلال هذه الفريضة هذه الأيام.

وإذ نعيش في ظلال هذه الفريضة، فإنني أتوجه إلى من يستعدّ للسفر، وإلى الذين لم يستعدوا للسفر، قائلاً لهم، ولي: أتدرون ما الغاية من الحج ؟ أو بعبارة أخرى: هل وضعتم أمام أنفسكم وقلوبكم غاياتٍ تحققونها وأنتم تسافرون لأداء هذه الفريضة، إن كان للمرة الأولى، أو للمرة الثانية، أو... هل رستم الغايات التي تبغون تحقيقها من وراء هذه الفريضة ؟ وبالتالي عندما تعودون من هذه الفريضة تقفون وقفة حساب ومحاسبة مع أنفسكم، هل حققتم الغاية من هذه الفريضة أم لا ؟ فإن حققتم فطوبى لكم، وإن لم تحققوا فسلوا الله عز وجل العافية والمغفرة والقبول، وسلوا الله عز وجل التكرّم منه، وأن يقبلنا على عِلاتنا وعلى نقصاننا، فإننا ضعفاء والله هو القوي، وحينما نأتي ربنا ضعفاء فإن ربنا سيأتينا وهو قوي.

الغايات التي أريد أن نرسمها أمام أعيننا ونحن نود الحج هي:

الغاية الأولى: أداء الفريضة: الحج فريضة علينا، على المستطيع منا، فأنت يا من تريد الحج وتبغيه هذا العام وفي كل عام، ضع أمام عينك غاية أن تؤدي هذه الفريضة، ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ ويقول عليه الصلاة والسلام، والحديث معروف مشهور كما في البخاري ومسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً) وهناك روايات تقدم الحج على الصيام، لكنها جميعاً تتفق على أن هذه هي أركان الإسلام.

 الغاية الثانية: الأجر والثواب: كلنا يحتاج إلى أجر وثواب، كلنا يحتاج إلى عطاء من الله عز وجل، مَن الذي يستغني منا عن أجر الله وثوابه وعطائه ومنته وغفرانه جل وعلا، نريد من الحاج أن يحصِّل الثواب والأجر الكبيرين، فلقد قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في البخاري ومسلم: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) ضع أمام عينك وقلبك وفكرك أن تحصل الثواب والأجر، وأن تعود مغفورةً ذنوبك، مغفورةً آثامك، مغفورةً خطاياك، وبالتالي إن وضعت هذا الأمر، وهو أن تحصل الثواب غايةً أمام عينك فقد أدّيت الحج من غير رفث ولا فسوق، وقد أدَّيت الحج بآدابه الإسلامية، وأدَّيت الحج بأخلاقه القرآنية النبوية، وأدَّيت الحج وأنت على أتمّ مراعاةٍ لما تتطلبه هذه الفريضة من أخلاق وآداب ونُسك وطاعات. هل تزهد وأنت تسعد للحج في هذه الغاية ؟ فلِمَ لا تفكر فيها، ولمَ لا تفكر في موجباتها ؟ ألا وهي عدم الرفث والفسوق، واتباع الآداب والسنن والتخلق بأخلاق سيد الخير وسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، لذلك أنصحك أن تقرأ قبل الحج أحكام الحج، وأن تقرأ الأحاديث المتعلقة بالحج، وأنصحك أن تقرأ ما جاء في السيرة عن حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أريدك أن تضع أمام ناظريك هذا الذي قلته لك.

الغاية الثالثة: تحصيل المنافع: ولمَ لا ؟ ?ليشهدوا منافع لهم ? أريدك أن تضع غاية تحصيل المنافع، والمنافع قسمان: منافع معنوية ومنافع مادية.

أما المنافع المعنوية: فالدّعاء والاستغفار، لأن الحج وأمكنة هذه الفريضة مَظِنَّةُ الاستجابة، الطواف مَظِنَّةُ استجابة بل مئنة إن شاء الله، السعي مَظِنَّةُ استجابة، عرفات مَظِنَّةُ استجابة، أنت تحمل في نفسك حاجات كثيرة عليك أن تضعها هناك بين يدي ربك، هناك في عرفات، في السعي، في مزدلفة، في منى، المنافع المعنوية الدّعاء رجاء أن يستجيب لك ربك، وسيستجيب بفضله ومنّه وكرمه، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال كما روى البزار بسند حسن: (الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم) ويروي البزار أيضاً بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يُغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج) فيا حجاج استغفروا لنا ربكم عز وجل، ويا عُمَّار استغفروا لنا ربنا وربكم عز وجل. المنافع المعنوية الدعاء من أجل حاجات هي في نفسك، وفي النفس حاجات نرجو أن يقضيها ربنا عز وجل. ومن المنافع المعنوية التعارف مع الآخرين، مع المسلمين من أعراق أخرى، من جنسياتٍ أخرى ? ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ أتريد أن تحقق هذه الآية وهذه القاعدة الربانية في الحج ؟ إذاً أنت تحقق غايةً من غايات الحج، إن رأيت مسلماً هناك من جنسية أخرى، من عرق آخر، من لغة أخرى، فتعرَّف عليه، لأننا نريد الأمة أن تتعارف وأن تتآلف وأن تتحالف، ولا سيما في أيامنا هذه، والصعاب تواجهنا صباحَ مساء، والعدو يتربص بنا الدوائر، ويريدنا أذلاء يحشرنا تحت راية سوداء، تحت خيمةِ ذل، ونحن نستجيب من خلال التفرّق الذي أصبح سِمَة من سماتنا، ومن خلال التشرذم الذي أصبح صفة من صفاتنا، ومن خلال عداوة أُلهبت فيما بيننا، وها نحن أعداء فيما بيننا. ضع في نفسك غايةً هي منفعة معنوية أن تتعارف مع المسلمين وأن تتآلف وأن تتحالف، كفانا أننا لم نعد نرى أعداءً إلا من بيننا، كفانا أننا لم نعد نرى من نواجهه ومن نقتله إلا من بني جلدتنا ومن بني ديننا ومن بني إسلامنا، ففي فلسطين قتال ونزاع بين المسلمين، وفي أمكنة أخرى كذلك، وفي لبنان كذلك، وفي السودان كذلك، وهنا وهنالك شبه عداوة بين بعض المسلمين، بين فئة تنتمي على سبيل المثال لصوفية وأخرى تنتمي لسلفية، يا من تعتبرون الحج فريضة: أنتم إخوة رغماً عنكم، هكذا أراد لكم ربكم، فلم تعدلون عما أراد لكم ربكم إلى ما أراد لكم الشيطان ونفوسكم الأمارة بالسوء لكم، لا نريد هذا. المنافع المعنوية تعارف وتآلف وتحالف.

وأما المنافع المادية: من الذي يمنعك أن تشهد تجارة لك هناك وأنت تحج ؟ الله عز وجل قال: ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ ما المانع من أن تتاجر ؟ لكنك لا تريد بالحج قصداً أوَّلياً التجارة، وإنما التجارة أمر تابع، ما المانع أن تكون من غاياتك السياحة، الاطّلاع على هذه الأمكنة، على البلدان ؟ ما المانع من أن تشتري وأن تتسوق ؟ غير أنني أريد أن أحترز فأقول: إياك أن تضيع ثوابك في هذه السياحة، عليك وأنت تقوم بالسياحة أن تكون السياحة داعمة لثواب حصلته لا أن تكون مضيعة لثواب جمعته، لا أن تكون منفقة لثواب كبير حرصت أن يكون لك، أريد منك وأن تضع أمام عينك غاية السياحة أن تكون السياحة والتجارة أمراً ثانوياً، وأن تكون داعمة لثوابك الذي حصّلته في حجك أو في عمرتك.

الغاية الرابعة: أن ترسم أمام عينك في أن تكون هناك متذللاً: أظهر التذلل والعبودية لربك وإياك والتخايل، وإياك والتكبر، عليك بالتواضع والتذلل ونسيان الرياء والسمعة، أوَما سمعت عن حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي رواه الترمذي، فرسول الله حجَّ على رحلٍ رثٍّ، وقطيفة خلقة، كانت تساوي، وبعضهم قال لا تساوي أربعة دراهم، وكان يردد: (اللهم حجاً لا رياء فيه ولا سمعة).

أريدك أن تتذلل هناك أمام حضرة ربك في الطواف، كن متذلاً في السعي، كن متجرداً في عرفات، كن متجرداً إلا من توجهك لربك، قائلاً لربك بلسان الحال قبل المقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك، لبيك وسعديك. يا ربنا ها أنذا بين لديك أقول لك: استجبت لك وأطعت، ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾.

أنا لا أريد أن أتحدث عن أناس مسلمين قد لا يقصدون، ولكن حالهم ينبئ عن أنّ حالهم ربما امتزج برياء وسمعة من خلال عدم وضعهم أمام أعينهم غاية التذلل وإظهار العبودية، يريدون رعاية أجسادهم في تحسينياتها على حساب قلوبهم ونفوسهم في ضرورياتها، يريدون شكلياتٍ تحسينية على حساب حقائق ضرورية، على حساب التذلل. حُدثنا عن كثيرين من أولي الشأن، وأثّرت فينا أحوالهم وقصصهم التي كانت مقصورة في الواقع، حُدثنا عن كبير، عن رئيس وزراء لا نريد أن نذكر اسمه حتى يبقى حَجاً لا رياء فيه ولا سمعة، ذهبَ إلى بيت الله لأداء فريضة الحج فأرسل الملك له هناك السيارات والوفود، فقال للملك شاكراً: أشكرك أيها الملك، لكنني خرجت من بلدي وقد وضعت أمام ناظري حجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واعذرني إن قلت لك هذا، لأنني أعلم أنه لا يمكن أن تسحب هذا الإكرام الشديد إلا إن قلت لك الحقيقة. أريد مع الشكر لك أن أحج حجة لا رياء فيها ولا سمعة، أن أطوف مع الناس، وأن أسعى مع الناس، وأن أقف في عرفات حيث يقف أغلب الناس، هكذا أردت، فادعُ الله لي أن يوفقني في هذه الحجة التي وضعت من جملة غاياتها أن تكون بلا رياء ولا سمعة.

أين التذلل في حجنا، في طوافنا، في سعينا، أنا لا أريد أن أتحدث عن شنآن يدخل نسيج حجنا، لا أريد أن أتحدث عن خيلاء تدخل في تلافيف حجنا، لا أريد أن أتحدث عن اشتغالٍ في طعام وشراب يطغى على حجنا، لا أريد أن أتحدث عن قضاء أوقات في الفراغ أو في اللاشيء هي التي تسيطر على أيام حجنا، كم رأينا حجاجاً هناك في عرفات جالسين، فلا هم يدعون، ولا يستغفرون، ولا يقرؤون، لكنهم في أحاديث غير نافعة مشتغلون، كم رأينا من حجاج في مزدلفة لا يسبحون ولا يحمدون ولا يشكرون، ولكنهم في الحديث عما سيشترون ملتهون، كم رأينا من حجاج في المدينة المنورة، في المدينة التي ضمت سيد الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يأتون الحرم النبوي إلا لماماً، فإن طلبتهم وجدتهم في أسواق المدينة يتبضّعون.

إنما هي نصيحة وربما وقعنا في هذا الذي أتحدث، وأنا لا أتحدث عن عِصمةٍ لبعض منا من هذه الأمور، أتحدث عن كلنا، فلربما وقع جلنا في هذا، لكنني أذكر نفسي وإياكم، أتريدون حجاً، ضعوا غاياته قبل الذهاب إليه، غايات الحج: أداء فريضة، تحصيل الأجر والثواب، شهود المنافع المعنوية والمادية، إظهار التذلل والعبودية لرب العزة جلت قدرته.

 أتيناك بالفقر يا ذا الغنى     وأنت الذي لم تزل محسنا

وعودتنا كل خير عسى      يدوم الذي منك عودتنا

اللهم تقبل منا ما كان صالحاً، وأصلح منا ما كان فاسداً، وأصلحنا ظاهراً وباطناً، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 30/11/2007

التعليقات

شاركنا بتعليق