آخر تحديث: الإثنين 30 مارس 2020
عكام


أخبار صحـفيـة

   
سبل النهوض الإنساني / جريدة تشرين

سبل النهوض الإنساني / جريدة تشرين

تاريخ الإضافة: 2004/01/24 | عدد المشاهدات: 2419

نشرت صحيفة تشرين الصادرة في دمشق بتاريخ : السبت 24 كانون الثاني 2004 ضمن زاوية مدارات مقالاً بعنوان : سبل النهوض الإنساني .
 

سبل النهوض الإنساني
أودُّ بداية أن أعرب عما كان يجول في نفسي من إعجاب لبعض المحاولات الجادة في البحث عن طريق الخلاص وسبل النهوض ، سواءً أكان عنوانها صريحاً في هذا أم لا ، أخص بالذكر محاولة شكيب أرسلان في " لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم " ، ومحاولة الكواكبي في " طبائع الاستبداد " ، وجهد الافغاني ، ومحمد عبده ، ورضا ، والندوي ، والمودودي ، وقطب ، وفهمي جدعان ، ومالك بن نبي (1) .
وهاأنذا أساهم بتواضع ، فلعلنا كلنا نشكل نواة انطلاقة لعلمٍ جاد يعقبه عمل صالح ، فأنفع المعارف ما حققت للإنسان في مساره تقدما ، وشرُّها ما لوته عن الخير المناسب ، وقطعته عن السماء ( يحسب أن ماله أخلده . كلا لينبذن في الحطمة )‎ الهمزة/ 3 - 4. ‏
1- تقصٍّ لتسميات نهضوية في القرون السالفة القريبة :
لقد كانت القرون الثلاثة الأخيرة ظرف إقرارٍ من كل من سكن الكوكب الأرضي أن الإنسان يعيش حالة انحدار بعد فترة اعتلاء ، وتختلف المسافة الزمنية ضمن القرون المذكورة باختلاف البلاد والقارات ، والمهم أن الإحساس بالحال المتردية كان السمة المرتسمة على الوجه الإنساني بشكل عام .
وقد طفح هذا الإحساس ليأخذ شكل البحث عن حل ، وإعادة رفع الخط البياني من القعر إلى مستوى يتجاوز علواً ما كان عليه سالفاً ، وتجلى هذا في الدعوات الإصلاحية العامة العالمية في مختلف البقاع والأصقاع (2) ، ومن خلال تسمياتها وشعاراتها ، فمن التنوير إلى الإحياء ، فالنهضة ، والتحرير ، والترقي ، والبناء ، والإنقاذ ، واليقظة ، والإخاء ، والبعث ، والرفاه ، والإصلاح ، وهي بمجموعها في النهاية تصب في معنى واحد ، هو إعادة الخط البياني الراصد لمسيرة الإنسان إلى مستوى أفضل أو مساوٍ لما كان عليه في زمن القمة ، المختلف تحديده بحسب الأمة والدولة والإيديولوجية وتأتي أسطري هذه مساهمة متواضعة تسعى للتأكيد ، وإسقاط بعض الضوء على المنطلق ، وتبيان أساسيات في التحديد والتجديد . ‏
لذا فقد عممت واختزلت ، حتى لا يكون الأمر من أجل بقعة جغرافية محدودة ، أو جماعة مقصودة ، وإنما والهم إنساني شامل من أجل إنسان " النواة " إنسان " الجذر " إنسان " المحور " إنسان " القطب " إنسان " المركز " في التركيبة العامة . ‏
فإلى الإنسان من أجل إزالة سبل الغموض وإليه من أجل استبانة سبل النهوض . ‏
لست منحازاً ، ولا أريد أن أكون ممالئاً ، فلقد أقسمت بالحق أن أبغيه ، وبالحق ألا أعدل عنه ، وبالحق أن أخدم الإنسان ، وأجمل ما في الحياة خدمة الإنسان وان عدا ، والسعي من أجله وإن أعرض : ‏ ( وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سُلَّماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين )‎ الأنعام/ 35. ‏
بمهمة وأهمية دعوة الإنسان بعد الاصطفاء الإلهي له ، وإيداع سر الخلافة فيه ، وبمهمة هداية الإنسان حين يضل بعد أن كان محلاً لنفخ الروح الإحيائية التكريمية التقديسية ، " فالأرض تبر هذا الإنسان "(3)، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه منها وأضيف عليه بما ليس منها : ( فإذا سوَّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين‎ ) الحجر/ 29 .
2- دواعي الانحطاط والسقوط :
قلَّبت صفحات التاريخ البشري ورقة من هنا ، وأخرى من هناك ، فوصلت إلى وضع معادلة إنسانية شاملة عامة ، في تحديد دواعي السقوط ، ورسم ملامح الرقي والنهوض ، إجمالاً. ‏
قاطعت بين فترتين مختلفتين ، لأمتين متغايرتين ، تميزتا بالانحدار والهبوط ، فأخذت مشترك صفاتهما المسببة آنذاك ، وكذلك فعلت بفترتين أخريين تميزتا بالرفعة والنهوض وقوة الوجود ، وقد أخذ ذلك مني وقتاً غير قليل ، وأفنيت جهداً لا يستهان به في التعرُّف على مجمل فترات سالف الأمم ، وكانت النتيجة في رصد الدواعي للسقوط ، والسبل في النهوض مدعومة بمقولات علماء الاجتماع ، لأنهم معنيون في هذا الميدان ، تحديداً لمناهج التغيير ، وتبياناً لمعايير الحركة السالبة ، وتوضيحاً لمقاييس الحركة المقابلة الموجبة .
كما جهدت أن أرصدها في القران الكريم ، لأني أولاً وأخيراً لا أعدل عن الانتماء إليه والارتباط به ، فهو منهل عرفاني ، وينبوع علمي وإيماني . ‏
فأما النتيجة فهي بعبارتي التالية :
لقد سقط الإنسان وسقطت معه إنسانيته ، وهوى وهوت معه حضارته ، يوم ساد الظلم ، وطغى الجهل ، وانتشرت الفحشاء ، وعشَّشت السفاهة . ‏
وإنما ينهض الإنسان ، وتنهض معه مجتمعاته ، وتبرق بالنور جنباته ، يوم يستقرُّ العدل ، وترتفع راية العلم ، وتعم الفضيلة ، وتتركز في سمع الإنسان وبصره وبصيرته ركائز المسؤولية . ‏
وحين نقعّد هذه العبارة ، وإذ نرتب مفاهيمها نقول : أشلاء الفوضى¬ وهي نهاية السقوط والانحدار والانحطاط ظلم وجهل ورذيلة وسفاهة ، وهي مكامن الشر ومستودعه .
وأما أركان النظام وهي غاية النهوض والصعود والدقة والارتقاء فهي عدلٌ وعلم وفضيلة ومسؤولية ، ولا يتجاوز الخير مواضعها . ‏
ولنسمع ، قبل القرآن مقولات مختصين في الاجتماع حول هذا ، فهم في ذلك راصدون ، والقرآن من وراء فهومهم وعلومهم محيط .
يقول ابن خلدون : " الظلم آفة المجتمع " . ‏
ويقول أفلاطون : " بالعلم يكون الإنسان ، وبالجهل لا يكون " . ‏
ويقول فولتير : " لو لم يكن الله لوجب اختراعه ، وإلا فكيف تحيا الفضيلة ، وتموت الرذيلة ؟! " . ‏
ويقول أرسطو : "الفضيلة استعداد تقويه الممارسة ، والرذيلة اعتداء تموت معها الأخلاق " . ‏
ويقول ولسن : " وتبقى المسؤولية في الانتماء واللانتماء أساس الإنسان " . ‏
ويقول فروم : " على الإنسان أن يفتش في داخله عن حس المسؤولية ، لان ذلك يعني وجوده " . ‏
وأما القرآن الكريم ، فأعظم به سفراً جامعاً لمقومات الرقي والعلو والسمو وداعياً إليها ، وكذلك مصدراً موثقاً ، يحوي موهنات الإنسان ، ومحذره منها ، فقد جاءت الآيات فيه رائعة قيمة ، حذرت من الظلم والجهل والرذيلة والسفاهة ، ودعت إلى اجتنابها : قال الله تعالى : ( فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء )‎ البقرة/ 59 . ‏
وأما ما جاء عن الجهل ، والتحذير منه ، والتنفير من عواقبه ، فقد قال الله تعالى : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين )‎ الأعراف/ 199. ‏
وسواها من الآيات وفير، وعن الفحشاء جاءت آيات كثيرة تحذر من فعلتها وقولتها ، منها ( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن )‎ الأنعام/151. ‏
وقال عن السفاهة : ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه )‎ البقرة/130 .
3- سبل النهوض :
وأما ما يتعلق بمقومات النهوض وسبله ، فقد قال تعالى عن " العدل " ، الأس الأول للنهوض ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان‎ )النحل/ 90 . ‏
وعن " العلم " الذي هو السبيل الثاني للنهوض قال الله تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )‎ المجادلة/11. ‏
وأما " الفضيلة والعفاف " فقد قال القرآن الكريم فيهما : ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً )‎ البقرة /173. ‏
وأما " المسؤولية " وضرورة استثمارها ، فقد قال الله تعالى : ( فو ربك لنسألنهم أجمعين . عما كانوا يعملون )‎ الحجر/ 92 - 93. ‏
وهنالك شواهد أخرى وفيرة كثيرة على مستوى الكتاب الأصل : وهو القرآن الكريم ، ومستوى التبيان والشرح : اعني السنة الشريفة . ‏
4- ¬خاتمة : ‏
ولعل هناك من يتساءل عن الإيمان بالله ، إن كان سبيلاً من سبل النهوض ، فإني أقول : لم أذكر الإيمان بالله سبيلاً من السبل ، وإنما الإيمان في رأيي أساس لكل السبل ، يحدد منطلقها في النية والباعث ، كما يحدد اتجاهها في الغاية والهدف . ‏
وإذا فُقِد فلا شك بأن سبل النهوض حينها تغدو في أحسن أحوالها محدودة ضمن أطر المادة والمادة فقط ، وكلنا يعلم أن الإنسان ليس مادة فحسب ، كما أن مجاله الزماني والمكاني لا يقف عند حدود هذه الدنيا زماناً ومكاناً ، بل يتجاوزها إلى مقابلها الآخرة ، التي تعني الامتداد السليم والطبيعي للدنيا وإلا قيدنا الإنسان الذي خلق ليبقى بالفناء ، وحكمنا عليه بالانتهاء ، وقضينا على التكليف بالنتيجة المعاكسة لمنطق الوفاء ، والجزاء والأجر ، والثواب ، والعقاب ، والقصص . ‏
تلك حكاية " النهوض " مجردة عامة ، يحوطها الإيمان ويكتنفها في النهاية والبداية " الحب " ، الذي يحمل على الصبر والتحمل ، الحب الذي لا غنى للناهض عنه ، لان الحب سمو ورفعة في عالم الوجدان ، يرفع به الإنسان ما حوته يداه ، وما تبناه عقله ، وما سكن قلبه في عالم الحياة . ‏
والحمد لله رب العالمين‎ ‏

                                                                                 د. محمود عكام
المراجع : ‏
(1) انظر: أسس التقدم عند مفكري الإسلام لفهمي جدعان ، وماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين لأبي الحسن الندوي ، وشروط النهضة لمالك بن نبي ، وعامة مؤلفات العلماء المذكورين ، وغيرهم كالأستاذ مرتضى مطهري ، وعلي شريعتي ، رحمهم الله جميعاً . ‏
2) ولعلي أكون أكثر تخصصاً في ذكر تلك التي ظهرت في عالمي العربي والإسلامي دون غيره ، لتكون البقعة هذه محل تجربة قابلة للتعميم على بقية الأماكن ، إذ الإنسان في منطلقاته ودوافعه وغاياته خاضع لقانون الوحدة ، التي تعني الاتفاق في الأبعاد المادية والمعنوية ، مع لحظ خلاف طفيف ، لا يؤثر في الملمح العام والمظهر الشامل المتكامل . ‏
(3) أخرج الطبراني في الصغير عن سلمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " تمسّحوا بالأرض فإنها بكم برة " كما في الجامع الصغير للسيوطي ، ورمز له بالحسن . ‏


لقراءة المقال في جريدة تشرين لطفاً اضغط على الرابط التالي :

http://www.teshreen.com/daily/_madar.asp?FileName=20040124035735

التعليقات

شاركنا بتعليق