آخر تحديث: الأحد 14 يوليو 2019
عكام


نشاطات عامــة

   
الدكتور عكام يعلق على محاضرة في المؤتمر الفرنسيسكاني

الدكتور عكام يعلق على محاضرة في المؤتمر الفرنسيسكاني

تاريخ الإضافة: 2010/04/16 | عدد المشاهدات: 2270

ضمن فعاليات المؤتمر الفرنسيسكاني الذي عقد في حلب بمناسبة الذكرى المئوية الثامنة لتأسيس الرهبنة الفرنسيسكانية ألقى الأب حليم نجيم الفرنسيسكاني محاضرة تناولت اللقاء التاريخي الذي تمَّ بين القديس فرنسيس والملك الكامل الأيوبي في مصر استمع إليها الدكتور الشيخ محمود عكام، وذلك يوم الجمعة 16/4/2010 في صالة كنيسة اللاتين بحلب.

وقد قدم الدكتور عكام مداخلة عقب المحاضرة فيما يلي نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم

أشكركم جميعاً واحداً واحداً، أشكر الآباء الفرنسيسكان، وأشكر نيافة المطران جوزيف نزارو، ولو كان بوسعي لذكرت كل واحدٍ باسمه، أصحاب النيافة، أصحاب السعادة، الحضور الكريم.

يسعدني أن أكون صاحب مداخلة على محاضرة تقدَّم بها سعادة الأب حليم، وقلت في نفسي: لست محاضراً، وإنما معلّق، وسميت هذه المداخلة: تعليقٌ محمود على محاضرة حليم.

سمعت منه أن عنوان اللقاء بين القديس فرنسيس الأسيزي والملك الكامل: "تعارف ومكاشفة"، ويسرني أن أجعل عنوان لقائنا، وآمل ومن قلبي، ومن غير أن نكون مجاملين أن يكون العنوان الآن: "محبة ومصارحة"، التعارف يرتقي ليصل إلى المحبة والمصارحة، وإن شئتم أضفتم إلى كلمة المصارحة "الشفافة" لأن المحبة تتطلب من المصارحة أن تكون شفافة.

الحوار الإسلامي المسيحي حسب ما كتبه الأب حليم محاضرة قيمة تستحق أن تكون في مكتباتنا حتى ننهل منها ما يساعدنا على أن نعيش، وإذا قلنا أن نعيش أي أن نعيش بكل ما يتطلبه العيش من صفات حميدة، أن نعيش بسلام وأمان ومحبة واحترام، ويمكن أن تتابع الصفات بالشكل الذي تريد، شريطة أن تستمع لقلبك لا أن تستمع لهذا الذي وضعه أحياناً الشيطان فيك.

الحوار المسيحي الإسلامي: غايته الوصول إلى صيغة تعايش مُثلى، بحيث يقبل ويحترم كل طرف من هؤلاء المتحاورين الطرف الآخر، وعلى كل طرف أن يُفعِّل ما لديه من نصوص وآثار تدعم حُسن العلاقة مع المختلِف.

الحوار الإسلامي المسيحي: يعني أن أكون معك إنساناً نلتقي على مشتركات ونختلف في خصوصيات، وليس أن يكون الواحد منا صورةً طبق الأصل عن الآخر، لذلك تحدث قرآننا عن امرأة جاءت تجادل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكن الله حول هذه الغاية عند المرأة إلى حوار فقال: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما) والرسول سعى من أجل أن يجعل هذا الجدال حواراً وقد جعله كذلك.

إذن: غاية الحوار الإسلامي المسيحي الوصول إلى صيغة تعايش يحترم كل طرف الآخر، أما اليوم - في رأيي - فقد تطور الحوار، ويجب أن يتطور، نحن لا نريد أن نجترّ أو نقلِّد، وإنما نريد أن نبدع، لا أن نكون الحلقة المكررة، حتى ولو كنا نكرر الجيد، لكننا نريد أن نكون الحركة التالية المكررة في ميدان الخير، تطور الحوار الإسلامي المسيحي ليصل إلى حد تفعيل كل طرف دينه فيما يتعلق بالآخر، فتكون الرحمة هي العنوان في علاقتنا، ولم أقل الرحمة اعتباطاً، وإنما بعد دراسة تمحيصية وجدتها: المرتبة الأسمى في تدرّجات الإنسان نحو الأعلى، فالمرتبة الأدنى هي البشرية، وترتقي لتصل إلى الإنسانية، وترتقي الإنسانية لتصل إلى الرحموية، والرحمة هي: عطاءٌ نافع برفق، من غير أن تنظر إلى ديني وأن أنظر إلى دينك، عليَّ ألا أنظر وأنا أعطيك عطاءً نافعاً برفق إلى دينك أو إلى جنسيتك. هذه غاية الحوار اليوم.

كما علينا ونحن نتحاور أن نلتقي على أساسٍ مشترك، لا أريد أن ألتقيك على أني مسلم وأنك مسيحي، ولا أريد أن ألتقيك على أني فرنسي وأنك سوري... علينا أن نتطور ونلتقي على أساس كوننا إنساناً، عندها فنحن لا نتحاور بين شخصين مختلفين، بل نتحاور معاً، وأتحاور معك كشخص مثلي وأنا مثلك، فإذا حاورتك على أنك مسيحي وأنني مسلم أحاورك على أنك شخص مختلف، لكنني إن حاورتك على أنك إنسان فعندها أحاورك على أنك شخص مثلي، نلتقي على أساس إنسانية، وهو المشترك الأعظم، وينسى كلٌ من المتحاورين دينه وجنسيته. لماذا أترك الإنسانية التي هي مشترك، فالله خلقك إنساناً وخلقني إنساناً، ووضعنا على أرض واحدة، وخلقنا من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، فلماذا أعدل عن هذا المشترك الأكبر الذي يحتضننا على أننا أمثال لأستبدل بهذا ما هو مختلف بيني وبينك ؟

أريد أن أوسع، فأمامنا من المشاكل الكثيرَ الكثير، ولعل أهمها الفقر والمرض والعنف وتلوث البيئة، وهذه لا عبرة فيها لمسلم، ليناقشها على أساسٍ من إسلام، ولا لمسيحي ليناقشها على أساس من مسيحية، هذه مشاكل إنسانية، وأنا ألتقيك لنحلّ هذه المشاكل.

ما الغاية التي تريدون أن تصلوا إليها إذا كان الواحد يريد أن يجعل هذا الذي أمامه مسيحياً أو مسلماً، وتبقى المشاكل الإنسانية التي تكتنفنا وتكتنف أولادنا على ما هي عليه، بل تزداد، ويبقى المرض مرضاً، ويزداد البؤس بؤساً.. ما قيمة هذا الحوار ؟ أتريدون أن نقول لأهل الأديان إنكم تتناقشون وتتحاورون في فراغ، والناس ينظرون إليكم على أنكم أصحاب "فيلم سينمائي" لا أكثر ولا أقل.

نحن يُنظَر إلينا اليوم كرجال دين، على أننا من ذوي الاحتياجات الخاصة، وإذا رأى الناس شيخاً يسلم على مطران فرحوا له...

وقد آن الأوان لحوار إنساني فاعل وجاد تصب غايته في مصب البؤساء والفقراء والمعوقين، وكفانا ما نحن فيه من عداوات لا ندري على أي أساس قامت وأقيمت، وكفانا أن نفعّل أدياننا وجنسياتنا لتأجيج هذه العداوات التي ستسفر في النهاية - شئنا أم أبينا - عن دمار وخراب وفساد وأحقاد وغضب السماء والأرض علينا.

(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)، علينا أن نستبدل بالحوار الكلامي السلوك المؤثر، وأعتقد أننا كنا في حوار سلوكي من قبل أفضل منا اليوم، لأننا اليوم نتكلم، وبالأمس كنا نفعل، وأن نضع العمل مكان الكلام والمحاضرات، وألا يكون الحوار وظيفة رجال الدين أو مهمتهم الرسمية، وألا يكون الحوار مكسباً للسياسيين.

وأخيراً: هذا الذي أدعو إليه يجب أن يكون حلقة في سلسلة قام على صنع حلقاتها رجال مصلحون قبلنا أمثال فرنسيس الإسيزي، المدعو برائد الحوار الإسلامي المسيحي، وثمة آخرون من مختلف الأديان والفرق والطوائف والمذاهب، وحسبي أن أشير إلى من تحققوا بالتصوف الصحيح في تاريخنا ليكون جميعهم أمثلة في هذا الميدان والمضمار.

(ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا) ولا تجعل في قلوبنا غلاً لكل الناس، شكراً لكم وبوركتم، والسلام عليكم.

التعليقات

شاركنا بتعليق