آخر تحديث: الخميس 23 مايو 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
الربيع لشباب الأمة

الربيع لشباب الأمة

تاريخ الإضافة: 2019/05/23 | عدد المشاهدات: 2177

أما بعد :
أيُّها الإخوة المسلمون :
والرَّبيع هو الشباب ، ومِنْ هنا أحببت الحديث عن الشباب .
وإذا كانت أهميَّـةُ الأشياء تتجلَّى في وسطها ، فإنَّ ذلك ينطبق على الإنسان في شبابه عمرا ًوزمناً . فالشباب قدوةٌ لمنْ بعدهم ومعتَمدٌ لمن قبلهم ، وإذا استقام الشباب ، استقام بنيان الإنسان ، أعني نوعه . وإذا سقط الشباب ، سقط الإنسان . ومِنْ هنا قيل :حياةُ الأمم بشبابها ، وموتُ الأمم بشبابها . إنْ كان شباب الأمم شبابا ً أقوياء عاشت الأمم ، وإلا ماتت .
ولا غرْوَ أنْ نجد وسط القرآن الكريم ومنتصفَه سورةً تحكي عن شباب ، عن ( فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ) ، لاغرو أنْ تكون سورة الكهف السورة التي تقع وسط القرآن ، ولعل الاستئناس بذلك يدفعنا لقول ما قلنا ، مِنْ هنا جاء سرُّ توجيه الخطاب للشباب . وإذا كان الشباب طاقة ، فلا بدَّ مِنْ استيعابها حركةً دائبة ، ولا بدَّ مِنْ توجيهها تطلُّعا ًنحو هدفٍ واضح مبين .
- وما أروع الإسلام يوم نصبَ الهدف واضحا ً، ويوم استوعب الشبابَ حركةً ، فقال يحدد الهدف في أكثر مِنْ موضع : ( ربِّي الله ) ، ( والله خيرٌ وأبقى ) ، " اللهمَّ أنْت ربِّي لا إله إلا أنْت ، خلقتني وأنا عبدك " ، ( بل الله فأعبد وكنْ من الشاكرين ) .
نصب الهدف واضحا ً؛ مِنْ أجل أنْ يستوعب تلك الحركةَ الدائبة القوية التي لا تعرف الملل ، فلا مجال بعد هذا الوضوح لأي تردُّد في إصابة الهدف ، ولا مجال بعد هذا الوضوح لأيِّ تشكُّـك في معرفة هذا الهدف . 
- وإذا ما انـتقلنا إلى الاستيعاب ، فإنَّا نـجد أنَّ الإسلام غطاك أيُّها الشاب ، غطاك تغطيةً رائعة بدعوةٍ صريحة في ثنايا كتابه الكريم ، وعلى لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ، وعبر أسوةٍ صحيحة تجلَّت في حياته صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي سيرة أولئك الذين ساروا على دربه ، فكانوا بحقٍ أروعَ الأمثلة التطبيقية التي تُـضرب اليوم لشبابٍ يَـسْعَون لبناء أمتهم بناءً يتناسب والإنسان ، بناءً يتناسب والحقيقة التي مِنْ أجلها وُجِد هذا الكون ، بناءً يصعد بالإنسان إلى سدَّة قيادة هذا الكون ليوجِّهه نحو مساره الصحيح ، وضمن هدفه الصادق الذي إنْ عدل عنه كان الكون خرابا ً، وقضي على أصل الإنسان فكان تافها ًحقيرا ً . لقد استوعبك الإسلام أيها الشاب :
أ- استوعب داخلك بالإيمان والإخلاص .
ب- واستوعب ظاهرك بالعمل والعلم .
ج- واستوعب نشاطك وقدرتك بالشجاعة والتضحية . وانظر آيات القرآن الكريم تخبرك عن كلِّ ما ذكرنا .
1- استوعب داخلك : وأنْت الذي تبحث عن شيءٍ يقبع في داخلك ، يسدِّد داخلك ، يجعل منك إنسانا ً متماسكا ً في داخلك ، فما أقسى أنْ يبقى الإنسان وداخلُه في ضياع ! ، وما أصعب أنْ يعاني الإنسان فراغا ً في داخله ! ، وما أشدَّ مشقَّـة ذلك الإنسان الذي ينظر داخله فلا يرى شيئاً ! ، فيحاول عبثا ً أنْ يملأه بأنواع اللهو ليحقق بذلك دمارا ً، شاء أم أبى . استوعب داخلك بالإيمان ، فقال : ( الذين آمنوا بالله ورسوله ) ، بالإيمان ا لراسخ ( ثمَّ لمْ يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنْـفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) . سَلْ عن تطبيق ذلك أيُّها الشابُّ المسلم . سل المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا أريد أنْ أذكر لك القصص وحسبي أنْ أشير لها إشارة . سلْ مصعبا ًعن إيمانه الراسخ ، سلْ سعدا ًعن إيمانه أمام أمِّه ، سلْ بلالا ً، والحجر يُـوضع على صدره ، وكلمة الإيمان التي انبثقت عن داخله ، تتردَّد على لسانه قويةً صارخة ، تُـتْعب الذين أمامه تقول : أحَدٌ ، أحَدٌ . سلْ هؤلاء ، وسل دار الأرقم ، تلك التـي حَوَت الشَّـباب ، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك الوقت قد بلغ الأربعين مِنْ عمُره ، وأبو بكر بلغ السابعة والثلاثين ، وعمر في السابعة والعشرين ، ومِنْ بعدهم كثيرون أولئك الذين كانوا شبابا ً. 
2- بالإخلاص غطَّى داخلك : اقرأ كتاب الله : ( وما أمِروا إلا ليَعبدوا الله مخلصينَ له الدِّين حنفاءَ ويُـقيموا الصَّلاة وذلك دينُ القيِّمة ) . سلْ إخلاص هؤلاء ، سلْ هؤلاء كيف اخلصوا لله عزَّ وجلَّ ، سلْ خالد بن الوليد يوم جاء عزله فقال : " أنا لا أقاتل مِنْ أجل عمر، بل أنا أقاتل مِنْ أجل ربِّ عمر " ، سل عليا ً بن أبي طالب يوم لحق المشركَ ، سل - أخي المسلم - يوم جِيءَ إلى عمر - كما يروي ابن جرير - بسيفِ كسرى مِنْ ذهـب ، وبزينـةِ كسـرى التـي تَـعْدل الكـثيرَ الكثـير ، ووضِعتْ أمام عمر ، فقال عمر : " إنَّ قوما ً أَدَّوا هذا لذوو أمانة " ، فقال علي : " يا أمير المؤمنين عففتَ فعفَّت رعيَّـتك " . سلْ جابرَ عثَراتِ الكرام - أيُّها الشابُّ - سلْ هؤلاء كيف غطَّـاهم الإسلام شبابا ً. 
3- غطـَّى ظاهرَهم بالعمل : ومَن الذي دعا إلى العمل كدعوة الإسلام . اقرأ آيات العمل في القرآن الكريم : ( وقل اعملوا فسيرَى الله عملَكم ورسوله والمؤمنون ) ، بل اقرأ أروعَ مِنْ ذلك : ( فإذا فرغتَ فانصبْ ، وإلى ربِّك فارغب ) ، عملٌ مستمرٌ دؤوب لا يعرف الكلل ، ولا يعرف الملل . سلْ تطبيق ذلك في سيرة أولئك ، وفي سيرة مَنْ سار على نهجهم ، سلْ عقبة بن نافع يوم وقف على المحيط الأطلسي ليقول: "اللهمَّ لو أنِّي أعلم أنَّ بلادا ًخلف هذا البحر لخضته ، اللهمَّ اشهد أنِّي لا أقول ذلك إلا ابتغاء مرضاتك " ، سلْ قتيبة يوم وقف على حدود بلاد الصين ، فقال له ناصح مثبِّط ، وما أكثر المثبِّطين ، قال هذا الناصح لقتيبة : لقد أوغلتَ يا قتيبة في بلاد الأعاجم ، وأنتَ بين أجنحة الدهر ، لا تعرف ماذا تأتيك مِنْ حوادث . بمعنى ارجع ، ودعك مِنْ هذه الأمور ، فقال له قتيبة : " بثقتي بالله توغَّـلت ، وإذا انقضت المدَّة لم تنفع العُـدَّة " ، فأجابه : " امضِ يا قتيبة فعزيمتك هذه لا يكلُّها إلا الله " . 
4- غطـَّى ظاهرهم بالعلم : سلْ عن تغطية الإسلام للشباب في ظاهرهم حين دعاهم للعلم ، وما أروع دعوة الإسلام للعلم ، ومن ذا الذي دعا الآخرين للعلم كما دعا الإسلام أتباعه . سلْ آيات القرآن كم ذكرت العلم ، أكثر مِنْ ثلاثمائة مرة ، سلْ أحاديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، بل سلْ طلب ربِّـنا وأمرَه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( وقل ربِّ زدني علما ) ، إسلامنا يحثُّ على العلم ، وفي تاريخنا العلماء ، وبعدما كان الشعراء يسيطرون بمادةٍ شعريةٍ سخيفة ، وجدتَ فيهم أصحاب التشريع ، وجدت فيهم ابنَ مسعود ، من يُـكـتب عنه اليوم في ميدان التشريع ، ليس على مستوى بلادنا وإنَّما على مستوى العالم ، أصبح فيهم ابن عمر ، أصبح فيهم أبو حنيفة ، ذلك الرجل الذي لولا الإسلام ما كان شيئا ً، إمَّا أنْ يكون رجلاً يقـف على الأطلال يـندب الماضي ، وإمَّا أنْ يكون رجلا ً يتغنَّى بالشعر ، كما فعل امرؤ القيس ، فبالخمر تارةً ، وبالسيف أخرى . ولكنَّ الإسلام حينما دعاهم للعلم ، وجدوا في داخلهم صدىً لهذه الدعوة ، في داخل إنسانيتهم اسـتجابةً لهذه الدعوة ، فاستجابوا مسرعين ، وأقبلوا على ذلك ملبِّين ، فوجدتَ فيهم المشرِّع والعالم والفقيه ، سلْ أولئك الذين يكتبون القانون اليوم ، ولقد قلت لكم إنَّ عالما ًبالقانون في بلاد الغرب يقول : " لو وكِل إليَّ اليوم أنْ أضع قانونا ً مدنيا ً لتوجَّهت إلى مدوَّنة الإمام مالك ، ففيها سأجد كلَّ شيء " . إنَّ الإسلام غطاك أيها الشاب يوم تريد لعقلك أنْ يتفتَّح . إنَّ الدراسة اليوم تجري لتعمل مقارنة بين أبي حنيفة وبين أفلاطون ، ولكنَّ أبا حنيفة يمتلك مواد تشريعية أكثر مِنْ أفلاطون ؛ لأنَّه اعتمد على معطيات السماء ، على القرآن الكريم . سل الإسلامَ أيُّها الشاب كيف يؤدِّي رسالته إليك حينما تريد لعقلك أنْ يكون قويا ً، إنَّه يغطيك بالعلم . 
5- غطـَّى قدرتك ونشاطك الجسماني المادي : غطى الإسلامُ ، أيُّها الشابُّ ، قدرتك ونشاطك ، توجُّهَـك وتطلعك الجسمانيَّ المادي ؛ حينما دعاك للشجاعة ، للتضحية ، دعاك إلى عدم الخوف إلا منَ الله عز وجل : ( ولا يخشونَ أحدا ً إلا الله ) ، ( أمْ حسبتمْ أنْ تدخلوا الجنة ولـمَّا يأتكمْ مَـثَلُ الذين خَـلَوْا مِنْ قبلكم ، مسَّـتْهم البأساءُ والضرَّاء وزُلزلوا حتَّى يقولَ الرَّسول والذين آمنوا معه متى نصرُ الله ، ألا إنَّ نصرَ الله قريب ) . إنَّ الإسلام دعاك لأنْ تكون شجاعا ً، تَـزُود عن الوطن الحقِ بسيفك بقلمك بتطلُّعاتك ، دعاك لأنْ تكون مضحيا ً. وسلْ أولئك ، كيف ضحَّى الواحد منهم بكلِّ ما يملك ، سلْ صهيباً ذلك الرجل الذي ضحَّى بما له ليعود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، سلْ زيد بن حارثة ، الذي تلقَّى الحجارة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الطائف، وهو يقول : ( نفسي فداءٌ لك يا رسول الله ) ، سلْ أولئك الذين كانوا يقفون مدافعين عن دينهم ، يضعون صدورَهم دريئةً لسهام الكافرين ، سلْ أولئك الذين وقفوا ، وقد صُـلِبوا ، والواحدُ منهم كان يردِّد : 
ولستُ أبَـالي حينَ أقـْـتَـلُ مسلما ً على أيِّ جَـنْبٍ كانَ في الله مصرعي
من الذي يعرف سيرةَ الأبطال كتاريخ الإسلام ؟
من الذي غذَّى أمهات الأبطال بلبنِ القوة كما غذَّاها الإسلام ؟
من الذي أرضعَ الصِّبية التي تريد أنْ تكون في المستقبل حُماةً لدينها ، حُماةً لوطنها كهذا الإسلام ؟ 
إنَّ المرأة في تاريخنا كانت تُرضع الطفل ، وفي الوقت نفسه ترضعه الشجاعة والتضحية ، ليس مِنْ أجل أمرٍ دنيوي ، إنَّما مِنْ أجل دين الله عز وجلَّ . إنَّ أم أيمن لما بكتْ على فقدان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سُــئلت ما الذي يبكيك يا أمَ أيمن ؟ فقالت : " لا أبكي على فقدان جسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنْ أبكي على الوحي انقطعَ من السماء " . إنََّّها امرأةٌ إنْ أرضعتْ أَرضعتْ لبنا ًصافيا ، وإنْ أعطتْ أَعطتْ قوةً صافية ، إنََّّها امرأةٌ إنْ ربَّتْ رَبَّتْ جيلا ً كان مِنْ جملتهم ابن الزبير ، وكان مِنْ جملتهم مَنْ ذكرنا . 
أيُّها الشاب : إنَّ الإسلام غطاك بكليَّتك ، وبعد ذلك قلْ لي بربِّك : ما الذي يدعوك للابتعاد عنه ؟! اللهمَّ إلا في حالةٍ واحدة ، إنْ أردت الهروب مِنْ تَـبِعات الإنسان ، عند ذلك إنْ رضيت لنفسك هذا التبرير فابتعدْ عن الإسلام ، ولن يدخل الإسلامَ إنسانٌ يبحث عن الهروب مِنْ تَـبِعات الإنسانية . إنَّ الذين يهربون مِنْ الإسلام إنَّما يهربون لجهلٍ تركَّز في داخلهم ، أو لعداوةٍ تأصَّـلت في أفئدتهم ، جرَّاء منفعةٍ خُـدعوا بها ، جرَّاء منفعةٍ لـُـوِّح بها أمام أعينهم ، فحسبوا الدنيا خارجةً عنهم إنْ لم يحوزوها ، وما علموا أنَّ الدنيا ستنتهي وإنْ طالت . سل التاريخ كيف يحكم على الكثيرين أمثالك ، كيف لفَّهم بثوبه ، وأنت ستُــلَـفُّ بأحد ثوبين : إمَّا ستلفُّ بثوبِ النقاء والطهر ، بثوب الشجاعة ، بثوب التضحية ؛ وهنيئا ً لك مهما عشت ، وإمِّا ستلفُّ بثوب الوقاحة ، وثوب الحقارة والدناءة والسواد ، عند ذلك يا حسرتاه على ما فرَّطتَ في جنب الله ، وعند ذلك لاتَ ساعةَ مندم . 
أيُّها الشباب : تذكروا أنَّـكم بالإسلام ستجدون ذاتكم ، تذكروا بأنَّـكم بالإسلام ستجدون هويتكم ، تذكروا بأنَّ الذي يمنحكم قوة الشباب ونشاطه إنما هو ذلك الذي ولِد في الربيع صلى الله عليه وآله وسلم ، وما كانت ولادته في الربيع عبثا ً، ولكن مِنْ أجل أنْ يفكِّر الشباب يوما ًبعد يوم ، ساعةً بعد ساعة ، لحظةً بعد لحظة : أنَّ حياةً لا يكتنفها الإسلام ، ولا ترفرف فيها رايات القرآن إنَّما هي حياةٌ فارغة .
قولوا نحن مسلمون ، وسلوا الله أنْ يثبِّـتكم على ذلك في الدنيا والآخرة . 
نِعْمَ مَنْ يُـسأل ربُّـنا ، ونِعْمَ النَّصير إلهنا . والحمد لله ربِّ العالمين . 

التعليقات

شاركنا بتعليق