آخر تحديث: الثلاثاء 16 يوليو 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
العدل أساس الملك

العدل أساس الملك

تاريخ الإضافة: 2003/07/18 | عدد المشاهدات: 2294

أما بعد ، أيها الإخوة المؤمنون :
كنت في الأسبوع الماضي في زيارة علمية لدولة تقع في أقصى شرق قارتنا ، سألت الناس هناك من جملة ما سألت عن الإسلام الذي يعتنقونه ، كيف وصل إليهم ولماذا أحبوه ؟ فقالوا - وهذا ما نعرفه إن لم أقل جميعنا فأغلبنا يعرف هذا - قالوا : إن الذي أدخلنا في الإسلام أخلاق أجدادكم ، الذين جاءونا تجاراً ، وكانوا مع تجارتهم ، أو بالأحرى كانوا في تجارتهم دعاة ، لأن الإسلام مسؤول عن الدعوة إليه كل من أسلم سواء أكان عالماً أو تاجراً أو باحثاً أو حاكماً أو محكوماً ، هؤلاء التجار من أجدادكم عندما جاؤونا رأينا أخلاقهم وقد اتصفوا بها في معاملاتهم ، فالصدق يغطي كلامهم ، والأمانة تعلو جباههم ، والعدل ، والعدل هو الذي يسري في كل كياناتهم ، فهم يعدلون في كلامهم ، ويعدلون في أفعالهم ، ويعدلون في أحكامهم ، ويعدلون في كل ما يتصرفون به . أحببنا عدلهم صفة أولى ، لكننا اليوم ، واسمحوا لنا – هكذا قالوا – لا نسمع عنكم أخباراً كتلك التي سمعناها عن أجدادكم وكانت سبباً في أن يدخل أجدادنا الإسلام وأن يعتنقوه .
رجعت إلى نفسي وفكرت وقلت كما كنت أقول باستمرار : فعلاً ، الناس لم يتغير أحد منهم ، لكننا تغيرنا وقبل أن نلوم الناس على عدم استقبال إسلام صحيح قوي ينبغي أن نلوم أنفسنا لأننا لم نرسل الإسلام القوي الجميل المنفتح الواعي ، ينبغي أن نلوم أنفسنا :

أرى حللاً تصان على أناس            وأخلاقاً تداس ولا تصان
يقولون الزمان به فساد هموا            فسدوا وما فسد الزمان
نعيب زماننا والعيب فينا              وما لزماننا عيب سوانا

لا أريد أن أتحدث عن العدل موضوعاً ، أي كموضوع ، لكنني وأنات سمعت من هؤلاء المسلمين هناك في أقصى الشرق سمعت منهم وهم يصفون أجدادنا بالأمانة ، بالعدل بالصدق ، قلت في نفسي : سأقدم لأهل بلدي على منبر التوحيد لقطات من مشهديَّة العدل في تاريخنا ، لن أتحدث عن العدل موضوعاً ، ولكنني وأنا أقلب بعض الكتب وقعت عيناي على بعض المقولات فقلت في نفسي سأقرؤها على إخواني وسأعلق عليها .
أولاً : فلنقرأ قول الله عز وجل : ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ﴾
المائدة : 49 ، قلت في نفسي نقرأ القرآن كثيراً ، ولكن هل يمحص الإنسان منا نفسه على ضوء هذه الآية ؟ من المخاطب بهذه الآية ؟ الحاكم ! لا . ليس الحاكم فحسب . الحاكم مخاطب ، ولكنه ليس المخاطب الوحيد ، هل المخاطب الحاكم السياسي ، لا . ليس المخاطب الحاكم السياسي فحسب ، ولكننا مخاطبون ، أنت يا رب الأسرة ( وأن احكم بينهم ) بين أولادك ، بين زوجتك وأولادك بما أنزل الله ، أنت أيها المدير ، أنت أيها الشيخ ، أنت أيتها المرأة ، أنت أيها المسؤول في أي قسم من أقسام المجتمع كنت ، أيها الشرطي ، أيها العسكري ، أنت يا رئيس القسم ، ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) لأنك إن حكمت بغير ما أنزل الله فلت تصيب العدل ، وهل ثمة إصابة للعدل أقوى من أن تسعى لإصابته من خلال أوامر الله ونواهيه .
بعد أن قرأت هذه الآية هنالك آيات كثيرة مماثلة ، مقاربة ، مشابهة ، تذكرت حديث النبي عليه وآله الصلاة والسلام المعروف أيضاً والمروي في الصحيح يوم سرقت امرأة شريفة من بني مخزوم ، وقرر الحاكم آنذاك ، والحاكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينفذ فيها حكم الله بقطع يدها ، لكن الناس اجتمعوا وأرسلوا شفيعاً ، وقالوا لأسامة بن زيد : اشفع لها عند رسول الله ، فأنت حبه وابن حبه . اشفه لهذه المرأة النبيلة ، الشريفة ، المعروفة ، المشهورة . وذهب أسامة : يا رسول الله : إنها امرأة شريفة ، أتقبل شفاعتي فيها في أن لا تقيم حدَّ الله فيها ؟ ماذا قال له النبي عليه وآله الصلاة والسلام : " يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ؟! إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيه الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " . عدل في أجمل صوره ، في أبهى تجلياته ، في أروع محدداته . أين العدل اليوم فينا ؟ أترانا نترك الذي بيننا وبينه علاقة قربى من أجل أن لا يكون تحت القانون ، يعامل بما يعامل به الآخرون ؟ نعم . إننا نفرق في أحكامنا ، نقيم الحكم على فلان دون فلان ، لأن فلان الذي أعفيناه من الحكم دفع لنا ، لأن فلاناً الذي أعفيناه من العقوبة توسط لدينا من أجله رجل بارز في السلك السياسي ، في السلك الدبلوماسي ، في السلك الاقتصادي . نعم : إننا نعيش ومن دون أن أخص هذه الفعلة بأناس دون أناس فكلنا غارقون في هذه البحر اللجي المتلاطم الذي لا يقدم لحماً طرياً ، ولكنه يقدم منتناً نعيش عليه ولذلك اختلفت أحوالنا .
قرأت عبارة لسيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه : رأى رجلاً يظلم أناساً ولا يظلم آخرين ، أو بالأحرى يقيم الحد على أناس ويعفي آخرين ، فالتفت إيه سيدنا عمر وقال : لا تظلم المسلم فتكفره – فتجعله يترك دينه - . نحن يظلم بعضنا بعضاً إلى حد أن هذا المظلوم يقول : إذا كنتَ مسلماً فلست بمسلم . لا تظلم المسلم فتكفره ، وهذا مصداق لحديث النبي الصحيح يوم جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت يا رسول الله : زوجي لا أعيب عليه خلقاً ولا دين ، ولكني أكره الكفر في الإسلام . لأنه لا يقوم بأود الزوجية ، ظلمت وقهرت من أجل أن تتزوجه ، ولكني أكره الكفر في الإسلام . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أتردين عليه حديقته ؟ " قالت : نعم . قال يا فلان : " خذ الحديقة وطلقها تطليقة " لا تظلموا المسلمين .
رأيت عبارة لسيدنا الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه ، يقول في رسالة لولي : " ثم اختر للحكم بين الناس – وليسمع الآن كل إخواننا ، كل العاملين في ميدان القضاء ، وفي ميدان الإدارة ، وفي ميدان الاقتصاد – ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ، ولا تمحقه الخصوم ولا يتمادى في الذلة " لقد انمحقت شخصياتنا فراح الموظف الصغير ذليلاً أمام الكبير ممحوقاً لا وجود له ، يرعبه الكبير بنظراته ، بسطوته ، إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك ، ولا يتمادى في الذلة . لقد شربنا أو كَرَعنا كؤوس الذلة من أجل الحصول على مناصب ، من أجل الحصول على أموال ، أصبحنا نعامل من فوقنا من أهل الدنيا بذل ما بعده ذل ، ليس لنا شخصية أمامه ، لا نستطيع أن ندلي بآرائنا في مواجهته ، إن قال فهو بمثابة حذام :
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذامِ
لا تعارض ، لا تناقش ، لا تحاور ، بل كن ذليلاً واركع واسجد أمام هذا لأنك مربوط في منافعك بيده فلربما سرَّحك ، لربما عاقبك . سيدنا الإمام علي قال : عليك أن تختار من لا يتمادى في الذلة ، ولا يستشرف نفسه على طمع . أضحى الواحد منا ينتظر الوظيفة لطمع في نفسه ، لا لراتبها ، وإنما لها من منافع ، فإن مضى عليه سنة أو سنتان ولم يحصل شيئاً عوتب من قبل زوجته ومن قبل صديقه ومن قبل قريبه ، لِمَ لمْ تُحصِّل يا فلان ما حصّله سلفك ، من سبقك هنا ، لقد مرت على سلفك سنتان حصل فيها كذا وكذا ، أين أنت ؟ هل وصلت إلى حد السذاجة ؟ لا تعين في الحكم ذاك الذي يتمادى في الذلة ويستشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفي بأدنى فهم - بل عليك أن تختار ذاك الذي يدرس ويجد ، يقرأ ويبحث – لا يكتفي بأدنى فهم بل يسعى لأقصاه ، اختر للحكم أوقفهم في الشبهات ، وآخذهم بالحجج ، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصوم . نحن نتبرم من مراجعة الخصوم ، نحن لا نريد أن يراجعنا خصم أو مراجع ، إذا كان هذا الذي يراجعنا سيؤدي التبعة ، سيؤدي الثمن فمرحباً بمراجعته مع فم باسم ، مع ثغر وضَّاء ، أما إذا كان لا فلا ، اختر للحكم أوقفهم للشبهات ، آخذهم بالحجج ، أقلهم تبرماً بمراجعة الخصوم ، أصبرهم على كشف الأمور ، اختر للحكم من لا يزيد فيه المِراء ، ولا يستميله الإغراء .
قرأت لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أن بني مروان اجتمعوا إلى بابه وقالوا لابنه عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز : قل لأبيك : إن من كانوا قبله من الخلفاء الأمويين كان يعطينا ، ويعرف لنا مواضعنا ، وإن أباك قد حرمنا ما في يديه . فدخل على أبيه وأخبره ما قاله هؤلاء من بني مروان ، فدخل إلى أبيه وخرج وقال لهم : إن أبي يقول لكم : ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾
الأنعام : 15 عودوا لا عطاء من غير سبب . ما الذي يدفعني ؟ أمن أجل أن تمدحوني ؟ أمن أجل أن تصفقوا لي ؟ إني أريد أن أرضي الله بسخط الناس وليس العكس ، ولا أريد أن أرضي الناس بسخط الله .
أبو يوسف القاضي تلميذ أبي حنيفة رحمهما الله تعالى ، وكان قاضياً ، جاءه الفضل بن الربيع وزير الرشيد شاهداً في قضية ، الفضل بن الربيع وزير الرشيد المدلل كان شاهداًُ في قضية ، فقال له أبو يوسف : أرد شهادتك . فسأله الرشيد : لِمَ يا إمام ؟ لِمَ يا أبا يوسف رددت شهادة وزيري ؟ قال له : يا أمير ، يا خليفة المسلمين ! لقد سمعت الفضل يقول لك : إني عبد – يمدحك ، يمالئك ، يقول لك إني عبدك – فإن كان هذا الرجل صادقاً فلا شهادة للعبد ، وإن كان كاذباً فلا شهادة للكاذب أيضاً .
كم منا من يقول لمن هو أعلى منه في الوظيفة في الدنيا : إنني خادمك ، وولدي خادمك وعبدك ، وعبد عبدك ، والمهم أن أمشي أمري ، كم سمعنا كلمات تكاد توصل من يقولها إلى حد الكفر ، إلى حد المروق من أجل الحصول على وهم دنيا وليس دنيا حتى ، من أجل الحصول على سراب وليس على ماء ، من أجل الحصول على هباء وليس على شيء . أين نحن من العدل الذي كان سبباً في أن يسلم أناس يسكنون على بعد عشرات الآلاف من الكيلومترات ، لقد أسلموا وكان سبب إسلامهم أخلاق تجارنا.
يقول ابن القيم الجوزية رحمه الله : فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ، وثم نصر الله . والمعادلة صحيحة ، وقد تعلمنا ونحن صغار أن نكتب على السبورة : العدل أساس الملك ، وإذا كان الملك من غير عدل فلا وجود له فسينهار ، ولا أعني مساحة دون مساحة ، لا أتكلم عن مساحة السياسة فحسب ، ولا عن مساحة الاقتصاد فحسب ، ولا عن مساحة الاجتماع فحسب ، ولكن أتكلم عن كل المساحات . أوجدوا العدل في نفوسكم يكرمكم ربكم بالنصر ، كونوا عادلين في معاملاتكم ، في تصرفاتكم ، كونوا عادلين على أعضائكم فأنت رئيس لأعضائك ، فهل تعدل في أعضائك ، وهل تحاسب أعضاءك على العدل أم أنك تترك لأعضائك أن يتحكموا فيك ، وقد أعطى القدماء للإنسان صفة المملكة ، فإذا كنت جمهورية أو مملكة فمن الرعايا ؟ الرعايا أعضاؤك . فهل أنت عادل في أعضائك ؟ هل أنت حاكم تطبق ما تدعي الإيمان به على أعضائك ، أم أنك تتبع الهوى ، وتطالب الآخرين في أن يكونوا عادلين ، وتنسى نفسك ، وتنسى البقاع التي تسيطر فيها في أسرتك ، في مكان عملك ، في عيادتك ، في جامعك ، في مكتبك ، في معملك ، في كل مكان . إني لأرى أننا ننسى أنفسنا - كما قلت في خطبة سابقة – أننا نعتق أنفسنا من واجباتها ونتذكر ما يجب على الآخرين أن يفعلوه ، وننسى ما يجب أن نفعله ، لكننا نتذكر بقوة ما على الآخرين أن يفعلوه حيالنا .
أيها الإخوة المسملون : العدل أساس الملك . هل نعدل في حياتنا ، أتمنى أن نقرأ القرآن الكريم قراءة باحثة عن العدل والدعوة إليه ، وأن نقف عند كل آية تحدثنا عن العدل ، أن نقف عليها وعندها ، لنحاسب أنفسنا ونعايرها فوقنا ، فإن وجحدنا في أنفسنا ميلاً للعدل ، وإن وجدنا في أنفسنا ميلاً للظلم ، فلنعاقب أنفسنا حتى تؤوب إلى ساح الميل للعدل ، وإلا الطريق الموصل للهدف لا يُسلَك بادعاء ، ولا يسلك بكلام ، ولا يسلك بحديث عن التاريخ فحسب إنما الطريق التي توصلنا إلى الهدف الذي نسعى إليه – وهدفنا أن نكون في الدنيا ناجحين ، وفي الآخرة فالحين – هذه الطريق لا يمكن أن تسلك إلا بحق ، وعمل ، ودأب ، وسعي ، وتعرف على تجارب الآخرين ، وقراءة المبادئ التي نعلن الإيمان بها صباح مساء ، عندها سنفكر بنصر قريب ، وأذكركم بقوا ابن القيم : حيث ما تكون أمارات العدل ودلائله فثمَّ شرع الله ونصره . فإذا كنا نمتلك أمارات العدل فهنا شرع الله ، وإلا فلا تلوموني ولوموا أنفسكم .
أسأل الله أ، يجعلنا من العدل بمكان وأن يوفقنا لكي نتحلى بصفة العدل في كل سلوكنا ، أعمالنا ، تصرفاتنا ، اللهم إنا نسألك العدل فيما نعمل ، وفيما نقول ، وفيما نفكر ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

عادل

تاريخ :2007/07/07

جزاك الله خير

شاركنا بتعليق