آخر تحديث: الأربعاء 18 سبتمبر 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
نصائح للمدرسين والطلاب

نصائح للمدرسين والطلاب

تاريخ الإضافة: 2006/09/08 | عدد المشاهدات: 2959

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

بعد غد ستفتح المدارس في بلدنا أبوابها، وستستقبل الطلاب من مرحلة التعليم الأساسي إلى الثانوية، وفي الجمعة التي بعدها ستفتح الجامعة أبوابها، وبما أن الخطبة اغتنام فرصة أحببت أن أوجه نصيحة إلى طلابنا وإلى معلمينا وإلى تلاميذنا من ذكور وإناث ما داموا على أبواب عامٍ دراسي جديد، فيا أيها الطلاب ويا أيها التلاميذ ويا أيها المعلمون ويا أيها الأساتذة: نصيحتي لكم وهي لي قبل أن تكون لكم لأنني ما غادرت ولن أغادر مقعد الدرس والدراسة، فالإنسان باستمرار في حالة طلب علم، ولأنني ما غادرت – وأسأل الله أن يوفقنا أيضاً من أجل ألا نغادر سدة التدريس والتعليم – والإنسان منا دائماً هو إما أن يكون متعلماً فقط وإما أن يكون معلماً ومتعلماً، وما أظن أن ثمة رجلاً أو امرأة ذكراً أو أنثى شاباً أو شابة يكون معلماً فقط فالمعلم متعلم ولكن قد يكون هناك معلم فقط من غير أن يكون معلماً، فيا أيها المعلمون ويا أيها المتعلمون ويا أيها الطلاب ويا أيها الأساتيذ اسمحوا لي أن أقدم نصيحتي لتكون في أربعة بنود:

البند الأول من غير تفصيل عند ذكر كل بند: اتقوا الله واعبدوه أي اجعلوا بينكم وبين ربكم وقاية من إيمان به وعبادة صرفة وعمل صالح، التقوى: أن تجعل بينك وبين ربك وقاية تعطي كلاً من ربنا ومنك أيها العبد مرتبته وحقه، اجعل بينك وبين ربك وقاية من أجل أن يكون الرب رباً والعبد عبداً، هذه الوقاية هي إيمان بالله عبادة صرفة عمل صالح، فاتقوا الله يا طلابنا ويا معلمينا ويا أيها القائمون على العملية التربوية اتقوا الله واعبدوه ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾ أتدرون بأن التقوى هي اللباس الأنسب لكم لأن ربكم يقول: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ يا هؤلاء اتقوا الله وآمنوا به، اتقوا الله واعبدوه، اتقوا الله واعملوا، اتقوا الله، لأن من يتق أولئك الذين يعتمد عليهم في بناء الحياة وفي بناء المجتمع يضع هذا البند نصب عينيه وهو يتعلم ويدرس وهو يعلِّم ويدرِّس.

أما البند الثاني: اخلصوا في عملكم وأتقنوه، ليكن عملكم خالصاً لله عز وجل لأن عملكم إن لم يكن خالصاً لوجه الله فلن يقبله الله. أوليس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال كما في صحيح مسلم: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه) اخلصوا في عملكم وأتقنوه، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال كما جاء في سنن البيهقي: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) وأركز على الإتقان. فيا طلابنا: أعطوا الدرس حقه، ويا أساتيذنا: أعطوا الدرس حقه. نريد من معلمينا أن يتقنوا منهاجاً كُلِّفوا بتدريسه، ونريد من طلابنا أن يتحلوا بصفات الطالب الساعي إلى طلب العلم، أن يتحلى بالتواضع لأن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا...)، وقال أيضاً والأحاديث صحيحة: (وتواضعوا لمن تَعلمون منه) وهذا ما لا نجده في طلابنا إلا قليلاً، فالطالب لم يعد يتواضع لأستاذه، والأستاذ لم يعد يتقن تدريسه أو تعليمه، الأستاذ يهمل ليتلقط ويصطاد الطلاب في دروسٍ خاصة، والطالب يهمل من أجل أن يخرج من المدرسة لأنه يقول لك وهو يفعل هذا: ماذا تريدني أن أكون وقد حصّلت إجازة في العلم الفلاني والتخصص الفلاني وسأحصل بعدها على راتب قدره كذا وهذا الراتب يحصله أصغر عامل لدى تاجر أو صانع.

يا أخي العلم علمٌ من غير نظر إلى ما تحصله وإن كنا نقول ونلح بالقول والطلب: على الدولة أن ترفع سوية الراتب للمعلمين والموظفين الذي درسوا والذين قضوا أكثر من ست عشرة سنة في دراستهم، نريد من الدولة أن ترفع رواتبهم حتى لا يكون ضَعف الراتب سبباً في التسرب والتفلت من الدراسة. على كلٍ أقول للطلاب والمدرسين: يا هؤلاء اخلصوا في عملكم وأتقنوه: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) هل تعطي الساعة كلها المادة التي كُلفت بتدريسها أم أنك تقضي جُلَّ الساعة في كلام فارغ وفي دعوة إلى شخصانية تتصف بها ؟ هل تعطي المادة حقها من حيث التحضير ؟ ومن حيث التدريس ؟ ومن حيث اتباع أفضل الأساليب التدريسية التي تفرزها عقول المدرسين والخبراء في هذا الميدان ؟ أم أنك في تدريسك متواكل تريد أن تمرر الأيام من غير أن تسستودعها أمور نافعة لنفسك ولطلابك ؟ اتقوا الله يا أساتذتنا، اتقوا الله يا أيها المديرون، اتقوا الله يا أيها الموجهون، اتقوا الله يا أيها الطلاب. أخلصوا في عملكم وأتقنوه، نريدكم يا طلابنا متفوقين، نريدكم علماء، نريدكم من ذوي الخبرة في كل مجالات الحياة المختلفة. لقد تفوق علينا غيرنا وغزانا بالعلم وغزانا بغير العلم مع العلم أيضاً، لقد تحدثت من أكثر من عشرين سنة عن فلسفة المصنوع وعن فلسفة المعلوم، وقلت إن مع المصنوع والمعلوم فلسفة وأخلاق تُقدم لنا من خلال ما يقدمه لنا الغرب من صناعة وتطور وعلوم، فيا طلابنا أناشدكم الله من أجل أن تدرسوا وتتفوقوا وإلا فالإهمال سيضرب أطنابه فينا، وبالتالي سنتأخر ونعود القهقرى إلى أبشع مما نحن عليه فهل ترضون هذا ؟

البند الثالث: يا أيها الأساتيذ يا أيها الطلاب يا أيها الموجهون: كرموا الإنسان وقدِّروه، كرموا الإنسان فالله كرّمه ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ قدروه، اعترفوا به إذا كان له حق عليكم فأعطوه حقه بغض النظر عن دينه وعن مذهبه. الإنسان مكرم في كل نصوصنا، في كل مصادر شرعنا، إياك أيها الأستاذ أن تحتقر طالبا أياً كان هذا الطالب، إياك أيها المدير إياك أيها المسؤول أن تحتقر إنساناً لفقره أو لضعفه أو حتى لكسله، نريدك أيها الأستاذ محترماً الإنسان الذي أمامك وقد قلت في إهداء كتاب كتبته بعنوان الإسلام والإنسان قلت في الإهداء: أيها السَّاعون إلى حضارة الإسلام يبغونها واقعاً، لمن يريد أن يرى الحضارة الإسلامية واقعاً لا مثالاً وخيالاً، لمن يريد أن يرى الحضارة الإسلامية تطبيقاً هيا إلى الإنسان، كرموه وقدروه واحترموه وصونوا دمه وحريته وعرضه وماله. هذه هي حضارة الإسلام، فيا أيها الأستاذ كرِّم الطالب ويا أيها الطالب ونحن نعلم وليس ذلك بخافٍ عنكم أن بعضاً من طلابنا - ولا أريد أن أقول إن كثيراً - من طلابنا يحتقرون الأستاذ والمدرسة لأن أباهم يتمتع بمسؤولية معينة، لأن أباهم أو أخاهم يملك مالاً كثيراً ووفيراً وهو في شركة مساهمة مع مسؤول كبير، لذلك يدخل الطالب وشكله وسيماه غير طالب أفيصح هذا ؟ أفيجوز هذا ؟ و أصبح عدد غير قليل من المدرسين يرغبون عن التدريس لأنهم يلقون طلاباً ليسوا بطلاب، يلقون طلاباً وتلاميذ يدخلون المدرسة لا على أنهم طلاب بل يدخلون المدرسة على أنهم مرعبون يدخلون يحملون على أكتافهم وظهورهم دعم من يدعمهم في المال أو في المنصب أو في المسؤولية، أفيجوز هذا ؟

البند الرابع: ابنوا الوطن واعمروه، وقد ذكرت هاتين الكلمتين لغاية في نفسي لأن البناء ينصب على ما يتعلق بالمادة ولأن الإعمار والعمار ينصب على ما يتعلق بالمعنى، فيا طلابنا ويا أساتذتنا: نريد منكم أن تكونوا بناة للوطن لزراعته لصناعته لتجارته لتطويره في شوارعه في جسوره في أمكنته في طرقه العامة لكل ما يسمى وطناً من حيث المادة، ونريدكم في نفس الوقت عماراً تعمرون الوطن بالمعنى ويعني إعمار الوطن أن تبنوا الوطن بالفضيلة أن تعمقوا الفضيلة فيه، يا بناتنا يا طالباتنا نريد طهراً ولا نريد عهراً، يا طلابنا نريد أخلاقاً حسنة ولا نريد أخلاقاً ذميمة، يا أساتذتنا: نريد أن تعلموا طلابنا وأبناءنا في التعليم الأساسي والحضاني والثانوي أن تعلموه الفضيلة والتعاون والأخلاق الحسنة وكل ما ينفع الإنسان في بنائه المعنوي وإلا فأنتم مقصرون ومساهمون في تردي المجتمع، نريد وطناً أخلاقياً يتمتع أفراده بالأخلاق الحسنة يتمتع أفراده ونساؤه بالطهر والعفاف والفضيلة يتمتع أفراده بالأمانة يتمتع أفراده بالتقوى يتمتع أفراده بالجد وبكل الفضائل الموجودة في كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ونريد أبناءه أيضاً أن يجتنبوا الرذائل كلها من كذب وخيانة وعهر وفساد وإفساد ورشوة وعدم انصياع لأوامر الله، نريد أبناءنا في المدارس والجامعات على هذا الشكل، ابنوا الوطن واعمروه، البناء للمادة، والعمار والإعمار للمعنى تعاونوا يا أبناء الوطن على بنائه وإعماره وربكم يقول لكم: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ تعاونوا وربكم يقول لكم: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص﴾ كونوا مع بعضكم كالبنيان المرصوص فالمؤمن للمؤمن كاليدين كما جاء عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحديث صحيح (المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى) تعاونوا مع المسلم وغير المسلم باعتبار أن غير المسلم إما أن يكون جاراً وإما أن يكون مواطنا ونحن في إسلامنا أمرنا أن نرعى حق الجار من كان الجار، أمرنا أن نرعى المواطن من كان المواطن لأن المواطنة كما قلت حصانة، تعاونوا ابنوا الوطن واعمروه.

أيها الطلاب نصيحتي تتلخص في أربعة بنود: اتقوا الله واعبدوه، اخلصوا في عملكم واتقنوه، كرموا الإنسان وقدروه واحترموه، ابنوا الوطن واعمروه، لأننا نريد في النهاية أن يكون الطالب في المدرسة وكذلك الأستاذ أصحاب غاية وأن تكون الغاية في النهاية مستخلصة من قول الله عز وجل وما أعظمها من غاية: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. اللهم وفق طلابنا وفق أساتذتنا وفق مديرينا وفق موجهينا من أجل أن تكون غايتهم مستمدة من تلك الغاية التي رسمتها لنا جميعاً وهي أن نعبدك على أساس من معرفة لأن العبادة إن كانت عن معرفة فنعمت تلك العبادة وإن لم تكن عن معرفة فهي عبادة قاصرة، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت، أقول قولي هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 8/9/2006

التعليقات

الدحمي

تاريخ :2007/11/12

السلام عليكم

شاركنا بتعليق