آخر تحديث: الأربعاء 18 سبتمبر 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
مقومات التربية النفسية

مقومات التربية النفسية

تاريخ الإضافة: 2009/06/26 | عدد المشاهدات: 2735

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

لا شك في أننا نُعنى بتربية أولادنا وبتربية طلابنا وبتربية الجيل الآتي بعدنا، هذه التربية ذات ثلاثة محاور، نعنى بالتربية البدنية والتربية الفكرية والتربية النفسية، وما أظن أن ثمة محوراً نُعنى به سوى هذه المحاور، لكننا إن سألنا أنفسنا وواقعنا عن التربية التي نتوجه إليها أكثر فإننا نقول وبحسب الحال والواقع، نتوجه إلى التربية البدنية، فما يهمُّ الأب هو جسم ولده وبدن ولده، وما يهمُّ المدرس بشكلٍ عام هو أن يرى طالبه ذا قدرة بدنية جيدة، صحيح أننا نعنى بالتربية الفكرية، ولكن العناية المتوجهة إلى التربية الفكرية أقل من تلك التي نوجهها إلى التربية البدنية. مَنْ منا أيها الإخوة باعتباركم آباء يلحظ فكر ولده ويراقب فكر ولده كما يراقب جسمه ؟ من منا يلحظ ويراقب نفسية ولده كما يراقب جسمه ؟ من منا يفحص فكر ولده كما يفحص جسم ولده ؟ ومن منا بين الفينة والأخرى يحاول أن يستطلع خبر نفسية ولده وكيف حال ولده من الناحية النفسية ؟ أظن أن أولئك الذين نتحدث عنهم قلة.

ولئن سألتموني عن التربية الأهم من هذه التربيات الثلاث، فإني أقول لكم: إن التربية النفسية هي الأهم لأنها البنية التحتية، فإذا ما توجهت بالعناية إلى التربية الفكرية والتربية البدنية وكانت التربية النفسية ناقصة، غير مُنتبهٍ إليها، أعتقد أن التربية البدنية والتربية الفكرية لن تؤتيا أكلهما، فالتربية النفسية أساس، وأن يكون هذا الذي تتوجه إليه بالتربية قوياً من حيث نفسيته هو الأساس، لذلك تُعنى الجيوش بشكل عام والجامعات بشكل عام في الدول المتقدمة بما يسمى بالتربية المعنوية وبالتوجيه المعنوي، تعنى الجيوش بالتربية المعنوية وتعنى الجامعات بذلك، أما نحن فنفسية هذا الذي يعيش معنا وهو ولدنا، لا ننتبه إليه، لا نسأل عن تطورات هذه الناحية، هل هو في حالة نفسية جيدة، هل هو مستقر من حيث النفس، أم إنه يعاني ما يعاني ؟ لا نسأل عنه لا من كثير ولا من قليل، لا من بعيد ولا من قريب عن هذا الأمر، اللهم إلا ما يمكن أن نعده القليل القليل.

أيها الإخوة تعالوا من أجل أن نتكلم عن مقومات التربية النفسية على الأقل من الناحية الإسلامية، أقول هذا حتى لا يأتيني رجلٌ يعنى بالتربية يقول لي أيضاً ثمة أمور تصبُّ في هذا المصب، أنا أقدم ما عليَّ أن أقدم ما أقدمه من حيث اختصاصي، واختصاصي ما تقوله لي الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالتربية النفسية والإعداد النفسي، وعلى الآخرين أن يضيفوا لأنني أتوجه إليك من حيثيتين، من حيثية إسلامك، وأتوجه إليك من حيثية إنسانيتك، أما الآن فأنا أتوجه إليك من حيثية إسلامك، وعلى علماء التربية أن يتوجهوا إليك من حيثية إنسانيتك، أتريد لولدك أن يكون قوياً نفسياً ؟ أن يكون قوي القلب ؟ إذن انظر إليه عن كثبٍ أو عن غير كثب، انظر إليه فيما إذا كان يتمتع بالأمور التالية وحاول جاهداً أن تجعله يتمتع بهذا الذي نقول، مقومات الإعداد النفسي والتربية النفسية هي ما يلي، وهذا من حيث اختصاصنا ومن حيث ما ملأنا به جعبتنا:

أولاً: الإيمان بالله، سل ولدك وسل تلميذك وسل نفسك هل يؤمن ولدك وهل تؤمن أنت بالله الرزاق كما تؤمن بالله الخلاق ؟  لو سألنا كل طلابنا وكل أبنائنا من خلقك ؟ لقال وبكلمة سريعة مؤمنة الله خلقني، لكنه لن يكون على مستوى الإيمان بالله الخالق حينما ينظر إلى الله على أنه الرازق، إيمان ولدك وابنك بالله الخالق أقوى من الإيمان بالله الرازق، وهذا نقص. لذلك من مقومات الإيمان أن تؤمن بالله الخالق وأن تؤمن بالله الرازق كما تؤمن وبنفس الحجم والقوة، حالة الإنسان اليوم لا يدل على أنه يؤمن بنفس القوة بالله الخالق كما يؤمن بالله الرازق، حالة الإنسان اليوم لا تدل على أنه يؤمن بالله المعز كما يؤمن بالله الخالق، حالة الإنسان اليوم لا تدل على أنه يؤمن بالله المعطي الغفار القهار الجبار كما يؤمن بالله الخالق، لذلك أقول لكم وبكل صراحة: ينبغي أن نفحص وأن نمحص إيماننا بالله عز وجل لأن من أولى مقومات التربية النفسية أن تؤمن بالله الرزاق وبالله المعطي وبالله الواهب وبالله الشافي وبالله الكافي كما تؤمن بالله الخالق، انظر نفسك وانظر من تتوجه إليه بالتربية هذا أولاً: ﴿يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا﴾ جددوا إيمانكم بربكم ووسعوا مساحة الإيمان بالله، لا تقتصروا بإيمانكم على أن تؤمنوا بالله الخلاق فقط على أنه خلاق ولكن آمنوا به على أنه الرزاق والمعطي والوهاب  والشافي والمعز والمذل والكافي والمصور والملك والقدوس والسلام والمؤمن والمهيمن... إلى آخر ما يمكن أن نعد من صفات لله جل شأنه.

المقوم الثاني للتربية النفسية: الثقة بالنبي صلى الله عليه وسلم، كلنا يتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإعجاب ولكن هذا الإعجاب لا يكفي، يجب أن تكون واثقاً به على أنه الذي أرسله الله إليك ليخرجك من الظلمات إلى النور، الإنسان الذي نثق به من البشر ثقة مطلقة هو محمد صلى الله عليه وسلم، هو محمد، والقضية لا يقتصر فيها على الإعجاب وعلى الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فقط، ولكن ينبغي أن ترفع شعارك الذي يقول دائماً وباستمرار محمدٌ صلى الله عليه وسلم أسوتي وقدوتي، ولقد ذكرت منذ خمسة وعشرين عاماً في هذا المسجد بالذات قلت لكم إن هناك قاعدة نفسية تقول: "إن في داخل كل إنسان إنساناً"، في داخلك أنت إنسان شئت أم أبيت تتقلد خطاه تتبعه تحبه تعجب به تريد أن تكون على غراره تريد أن تمشي على سيرته، الله عز وجل قال لنا هذه الحاجة وغطى هذا التطلع فقال: ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله﴾ لذلك أخاطب الحاكم الذي يقول عن نفسه بأنه مسلم وأخاطب المحكوم على مختلف توجهاته، أيها الحاكم المسلم أعلن من أجل أن ترتاح وتريح أعلن ثقتك بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، قل وبصراحة محمدٌ قدوتنا وأسوتنا. ولا تدع هؤلاء الذين يتحدثون في المساجد فحسب من أجل أن يقولوا هذا ولكن عليك أن تقولها أنت وبكل وضوح، الثقة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ثالثاً: ومن مقومات الإعداد النفسي أن تثق بالقرآن على أنه دستورك، كم من مرة قلنا وباختصار: ما الذي يشكله القرآن بالنسبة لك ؟ القرآن بالنسبة لك كما وضحنا أكثر من مرة ومرات القرآن بالنسبة لك هو قرآن الكتاب الدليل وقد قلنا عنه مرة بأنه (الكتالوك)، تشتري سيارة مع السيارة دليل أو (كتالوك)، تشتري مذياع مسجلة براد تشتري ما تشتري ومع هذه الآلة التي تشتريها كتاب هذا الكتاب يصف هذه الآلة ويبين لك طريقة تشغيلها، القرآن هو (كتالوك) الإنسان: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ عليك أن تثق بالقرآن على أنه الدليل الذي يصفك ويبين لك وظيفتك ومسارك بشكلٍ عام، القرآن ولا أريد أن أتحدث عما آل إليه القرآن اليوم، القرآن أصبح كتاب تعازٍ، القرآن أصبح اليوم كتاب افتتاحيات في أحسن الأحوال، القرآن أصبح مادة من جملة المواد بل إنه من أقل المواد المدرّسة اعتباراً، القرآن أصبح اليوم مادة كسبية من أجل المال، معاهد القرآن تفتتح اليوم إلا من رحم ربي من أجل الكسب، القرآن اليوم أصبح غريباً عنا من الذي ينظر ويريد أن ينظر ولده أو ابنه أو تلميذه إلى القرآن على أنه دليله الذي يجب أن يكون بجانبه والذي يجب أن يرجع إليه والذي يجب ألا يغفل عنه، الثقة بالقرآن، وهذا ما يجعلك واثقاً بنفسك، إذا كنت تؤمن بالله - وقل لي بربك - العظيم الجبار الخلاق الرزاق المعطي المانع وإذا كنت تؤمن بشخصية هي أعظم الشخصيات على الإطلاق في تاريخ الإنسانية وإذا كنت تؤمن بالقرآن الكريم الذي ثبتت صدقيته وثبت انتماؤه لربنا لله عز وجل، إذا كنت تؤمن بالله وبرسول الله على أنه قدوتك وأسوتك وبالقرآن على أنه دليلك فهل بعد هذا من أمور يمكن أن تمنحك الثقة أكثر من هذه الأمور ؟ حدثني عن ثقة بنفسك وقد وثقت بربك وبرسولك وبالقرآن الكريم، لكننا اليوم لا نعيش الثقة بأنفسنا نحن ضعفاء الثقة شئتم أم أبيتم، لا نعيش ثقة بأنفسنا كل واحدٍ منا يستهين بنفسه وهذا صحيح وتلك نتيجة صحيحة لما كنا قد فعلناه، لأننا لم نؤمن كما يجب أن نؤمن ولم نثق بالنبي صلى الله عليه وسلم كما يجب أن نثق ولم نثق بالقرآن الكريم كما يجب أن نثق، الثقة بالقرآن ضع في ذهنك أيها الشاب: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً﴾ وحسبك هذا، قل آمنت بالله، آمنت برسول الله، آمنت بالقرآن الكريم، آمنت بالله رباً لا يعطي ولا يمنع ولا يفرق ولا يجمع إلا هو، وآمنت بمحمد أسوة وقدوة، وآمنت بالقرآن كتاباً دليلاً يهديني للتي هي أقوم.

المقوم الرابع: الاطمئنان إلى المصير، الأمل المرسوم على جباهنا وقلوبنا وصدورنا، الأمل الذي يفضي إلى اطمئنان، أنت مؤمن ينبغي أن تكون مرتاحاً إلى المصير لكنني ألحظ أننا اليوم في عالمنا الإسلامي أكثر العوالم قلقاً، إيمانٌ وقلق لا يلتقيان، إذا وجد القلق هذا يعني أن الإيمان منتفٍ، الاطمئنان إلى المصير الرائع الجيد في الدنيا والآخرة: ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ عليك أن تقول لربك: يا رب إن كنت راضٍ عني فأنا في نعمة كبرى، يا رب إن كنت راضٍ عني فإني أعيش في لذة ما بعدها لذة، الاطمئنان إلى المصير في الدنيا والاطمئنان إلى المصير في الآخرة لكن البعض منا ارتكب ذنباً حينما خوّف الجيل. وقف شيوخٌ منا من بني جلدتنا من جبهتنا فخوَّفوا الناس من مستقبل مرعب أسود ينتظرهم على مستوى الدنيا وخوفوهم من آخرة ليس فيها إلا جهنم، وأغلقوا الباب عن الجنة وعلى الجنة، لقد ارتكب شيوخٌ منا هذا الذنب حينما توجهوا إلى الناس بالتخويف، فالتربية الإسلامية صارت تساوي عند الناس اليوم تخويفاً ولذلك ابتعد الناس عنا ابتعد عنها شبابنا، الاطمئنان إلى المصير على مستوى الدنيا والآخرة، جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما يروي البيهقي فقال: يا رسول الله من الذي يحاسبنا يوم القيامة ؟ فقال النبي: (الله). ففرح الأعرابي وقال: نجوت ورب الكعبة. قال له: (كيف عرفت ؟) قال له يا رسول الله إن الكريم إذا قدر عفا. أحسنوا الظن بربكم من أجل أن يكون ذاك المصير الذي ينتظرنا حتى نكون شجعاناً، لقد خُوّفنا بالمصير الأخروي فضعفت شجاعتنا بل تلاشت وأصبحنا نتهرب من هذا المصير حتى ولو كنا في دنيا مزعجة ذليلة، المهم أنها أفضل من ذاك المصير الذي حدثنا عنه الشيخ الفلاني، جهنم بما فيها من عذابات وعذابات، ساهمنا نحن في هذه القضية، علّم ولدك وتلميذك أن يطمئن إلى مصيرٍ في الدنيا رائع، من قال لا إله إلا الله فمصيره في الآخرة ممتاز: (لكل نبي) هكذا قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في مسلم: (لكل نبي دعوة مستجابة دعاها لقومه في حياته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة من مات منهم لا يشرك بالله شيئاً) وينتهي الإشكال، لماذا نبعد الأمل في الدنيا والآخرة عن ذهن شبابنا عن عيون شبابنا عن أبصار شبابنا وطلابنا ؟ نحن الأمة التي زرعت الأمل ليس فقط في مساحاتها بل في كل المساحات التي يشغلها الإنسان وحتى الحيوان، نحن أمة مبشرة ولسنا أمة منفرة نحن أمة ميسرة ولسنا أمة معسّرة.

المقوم الخامس من مقومات الإعداد النفسي والتربية النفسية: وحّد أنت جهة التأثير، من الذي يؤثّر عليك حقيقة ؟ الله، لقد سمعتموني مراراً وتكراراً أكرر على هذا المنبر عقب انتهاء الخطبة: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير﴾ وسمعتموني أكرر باستمرار: ﴿أليس الله بكافٍ عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد﴾. توحيد جهة التأثير، الله، واعلم أنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع ولا يفرق ولا يجمع ولا يخفض ولا يرفع إلا الله، الله، وهذا ما نراه ورأيناه في سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي الصحابة الكرام وفي آل بيته الأطهار وفي كل أولئك الذي وصفوا بالشجاعة العادلة الرحيمة وبالرفعة والمجد على مستوى الدنيا وبالفلاح والفوز على مستوى الآخرة.

المقوم السادس: أن يعتقد ولدك وابنك وهذا الذي تتوجه إليه بالتربية أن الإسلام ينظر إليك على أنك واقعي تخطئ وتصيب وتأكل وتشرب وأنه يمكنك أن تفعل ما تفعل، الإسلام لا يريدك أن تكون مثالياً لا يعرف الخطأ. نحن نخطئ وهكذا أرادنا ربنا، أرادنا أن نخطئ ولكنه قال لنا: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ ولم يقل إن الذين اتقوا لا يمسهم طائفٌ من الشيطان، بل قال: ﴿إذا مسهم﴾ وإذا للتأكيد، ما قال إن مسهم بل قال: ﴿إذا مسهم﴾ وإذا تؤذن بتأكيد وقوع الشرط فيها سيمسهم حتى الذين اتقوا، يدخل من يدخل منا من شيخ أو أستاذ للتربية الإسلامية على الطلاب ويخاطب الطلاب على أنه رجلٌ فضائي ويريد من الطلاب أن يكونوا فضائيين لا وجود لأمثالهم في هذه الحياة الدنيا، فلا يعرف ما يحدث هنا ولا يعرف ما يجري هناك ولا يعرف ما يخرج في التلفاز وإنما هو إنسان لا يعرف أن يقول إلا: الله، لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وهو بذلك يكذب على نفسه ويكابر ولا يتكلم الحقيقة وهو بذلك في مسار غير المسار الطبيعي الذي أراده الله أن نمشي فيه: (أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، غير أني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء) هذا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، أما أنا وأنت فأنا أخطئ وأخطئ، وأنت تخطئ وتخطئ، ومن ورائنا جميعاً ربٌ غفور نتوجه إليه فيتوب: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً﴾، (من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشر حسنات أو أزيد) كما في الحديث القدسي (ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة وإن هم بها فعملها كتبتها له سيئة واحدة أو أغفر).

نحن بحاجة إلى أقوياء في الداخل، القوة الخارجية لها من القياس قليله، لها من الحجم قليله، لكن القوة النفسية الداخلية هي التي يجب أن تحوي على القسم الأكبر من القوة، لكننا اليوم لا نعيش القوة الداخلية ضعفاء نخاف، نساهم في الخوف ويأتي من هو أرفع منا درجة على مستوى الدنيا ليؤكد هذا، فالضابط اليوم يريد من جنديه أن يكون حجراً يقف أمامه، ألا يتكلم كلمة، ألا يُعارِض بمسألة، ورسول الله في المعركة الحربية في غزوة بدر يقول عندما نزل في مكان ما، قام أحد الجنود الذين لم نعرفهم إلا في هذا الموقف فقال: يا رسول الله أهذا منزل أنزلك الله أم الرأي والمكيدة والحرب ؟ فقال: بل الرأي والمكيدة والحرب. فقال ليس بمنزل. من الذي يستطيع أن يقول لذي رتبة أعلى منه ليس هذا بمنزل ؟ من منا يستطيع أن يقول لرئيسه، لمديره: ليس هذا بمنزل. من منا يستطيع أن يقول لأستاذه ليس هذا بمنزل ؟ من منا يستطيع أن يدخل على مديره ليكلمه ما يجيش بصدره ؟ من منا يجرؤ أن يدخل داراً تسمى دار الأمن إلا ومعه أحمالٌ من الخوف ؟ نحن أمة خوفنا اليوم وأسهم من معنا بالخوف ومن فوقنا على مستوى الدنيا في أن نعيش أذلة فيما بيننا، الواحد منا يشعر بالذلة في وطنه مع مدربيه مع معلميه مع المسؤولين عنه يشعر بالذلة، يريد ذو الرتبة العالية أن يقف أمامه ذو الرتبة الأدنى كالحجر لا يتحرك، يريد المدير أن يقف الموظف أمامه هكذا منضبطاً لا ينبس ببنت شفة ويعد هذا الأمر قوة شخصية، لا يا إخوة هذا ضعف شخصية، الشخصية القوية تورث القوة لمن أمامها وضعيف الشخصية يورث الذل، الذليل يورِّث الذل لمن أمامه، إن ورثك هذا الذي أمامك عزاً فاعلم أنه عزيز، وإن ورثك ذلاً فاعلم أنه ذليل حتى ولو تبدى بثوب العز، فثوب العز ذاك موهوم ومزيف ومستعار وإنه كالسراب.

ولنلتفت أخيراً إلى التربية النفسية، إلى الإيمان بالله عز وجل، إلى الإيمان بالرسول والثقة به، إلى الاطمئنان بالمصير مع الأمل في الدنيا والآخرة، إلى توحيد جهة التأثير، إلى النظر إلى الإنسان على أنه واقعي، إن فعل ما فعل فهذا أمرٌ واقعي فما عليك إلا أن تحيطه بالرحمة من أجل أن تدفعه باللطف والأناقة إلى التوبة إلى باب الله المفتوح، كل الأبواب موصدة إلا باب التوبة فافتحوا باب التوبة أمام طلابكم أمام تلاميذكم أمام جنودكم حتى نكون على مستوى من التربية النفسية تليق بالأمة التي وصفت بأنها خير الأمم أو بأنها خير الناس، اللهم وفقنا لذلك نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 26/6/2009

التعليقات

شاركنا بتعليق