آخر تحديث: الثلاثاء 21 مايو 2019
عكام


أخبار صحـفيـة

   
حوار مجلة العالم الصادرة في لندن

حوار مجلة العالم الصادرة في لندن

تاريخ الإضافة: 1994/12/15 | عدد المشاهدات: 3014

العدد525 كانون الأول 1994

العالم : الدكتور محمود عكام مختص بدراسة الفكر السياسي الإسلامي، وأستاذ جامعي في سورية، حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون في فرنسا عن رسالته: " الحاكمية والسلطة في الفكر الإسلامي السياسي في القرن الخامس الهجري، دراسة مقارنة بين السنَّة والشيعة"
مندوب " العالم " في دمشق التقى الدكتور محمود عكام، وحاوره حول أهم القضايا المطروحة في الساحة الإسلامية .

العالم : تحدَّث الكثير عن تخلف المسلمين، ولكنهم لم يتحدّثوا عن الطريق إلى الإسلام، فكيف ترون ذلك ؟
د. عكام : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله وآله، وبعد:
هناك كلام كثير حول قضية العودة إلى الإسلام وطريقها، وما أحبُّ أن أقوله هنا لا يعدو أن يكون متناً لشروح تُضاف، إنْ من قِبَلي، أومن قِبَل آخرين مهتمين بقضايا الفكر الإسلامي بشكل عامّ .
وأول ملامح "العودة :
1- أن نثق أولاً بإمكانية وقدرة الإسلام على تغطية الحياة، وأن الإسلام قادر على تلبية كل حاجات المجتمع الإنساني .
2- لا بد من تحديد الثوابت والمتغيرات لشبابنا، أو ما يسميه الأصوليون " القطعيات والظنيَّات "، معتقدين أن ثوابت الإسلام هي ثوابت الإنسان، وأن متغيراته هي متغيرات الإنسان .
3- نحن بحاجة إلى برمجة مأخوذة من النص تتناسب ومسلم اليوم: أي إلى تنزيل جديد للنص، نستفيد من السابقين أسلوبيَّتَهم، وتعاملَهم وأدواتهم، ولكن لانأخذ مفرزاتهم، فلكل عصر مفرزاته من النص وحقُّه منه، وروعة النص وعظمته تتجلى في هذا الثراء والغنى .
4- العمل على إيجاد النموذج العملي المقنع في مختلف النواحي: لأن الفكر الصحيح بمقوماته يقنع، ورؤيته من نماذج عملية يُطمئن .

العالم : كلامكم هذا يجرنا للحديث عن الحيرة الفكرية التي يعاني منها الشباب المسلم اليوم، فكيف نخرج من هذه الحيرة ؟
د. عكام : إذا أردنا الخروج من الحيرة علينا أن نعرف كيف دخلناها . وأنا لا أقول إنني مع هذا التيار أو ذاك؛ فلسنا من أولئك الذين يتحدثون عن كل مفرزات النص وفهومه السابقة، على أنها تراث لنحافظ عليه برمته . ولسنا من أولئك الرافضين لكل ما نتج عن النص سابقاً ، على أنه قديم ينبغي التخلي عنه . وإنني أدعو إلى المصالحة بينهما، والتكامل في طرحهما، وذلك :
1- بالتزام النص مصدراً لفكرنا، وتحديد معالم هذا النص وتبيانه·
2- ثم العمل على تنزيله، وفق العصر الذي نعيشه بأدوات سابقة، وأخرى لاحقة مستجدِّة .
فما يُسمَّى اليوم بالأركيولوجي، والأنتربولوجي، والألسنية، وسواها، ينبغي الاستفادة منها، واستيعاب العصر من خلالها، فهي دراسات إنسانية، ونحن مع الإنسان وما يلامسه . وإن جاز لي التعبير بكلمة واحدة قلت :نحن بحاجة إلى " وعي " والوعي هو عمل صادق مؤثِّر صادر عن علم موثوق، يستند هذا العلم إلى إيمان أكيد راسخ .

العالم : هل يُفهم من كلامكم الموافقة على ما يسمى " أسلمة العلوم " ؟
د. عكام : لا أريد أن أقول كلمة " أسلمة " ، إذ في اعتقادي أن العلوم في إطلاقها حيادية في أصلها، والإنسان هو الذي يقوم بتوجيهها وتوظيفها وبرمجتها . العلوم حيادية لأن العلم هو اكتشاف الواقع على ما هوعليه، فلا داعي لأن " نؤسلم " الجغرافيا، أوأن " نؤسلم " التاريخ أو الفيزياء ... لأنني أعتقد أن العلوم بحياديتها مسلمة، كما أن الإنسان بفطرته مسلم، ولو تتبعناها، وتتبعنا نتائجها، لوصلنا إلى قضية حتمية، كتلك التي تُوصلنا إليها فطرتنا بتلقائيتها، وستتفق المقولتان : مقولة الأعرابي في الصحراء، ومقولة العالم في المختبر، فالفطرة تقول: " آمنت بالله الحق " ، وكذلك يقول العلم، فهل من مدّكر ؟

العالم : هناك دعوة تقول إن العلم دائماً خاضع لتصورات حامله، ولا يخلو أي علم من ذلك، حتى إن القرآن الكريم استُخدم استخدامات عديدة، وكل الفرق الإسلامية من خوارج ومعتزلة استندوا إلى القرآن الكريم ، ما هو رأيكم ؟
د.عكام : النص القرآني محكوم بأمرين في رأيي:
1ـ بفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتفسيره وتبيانه : إن ثبت سنداً وتوثيقاً .
2ـ وبآلية اللغة، وأسباب النزول، والسياق، والمقاصد العامة للشريعة الإسلامية، إن لم يكن هناك تبيان نبوي . وإن كنت على ثقة بأن التبيان النبوي هو الذي أمدنا بما ذكرنا، من لغة وأسباب نزول، في مواجهة النص لفهمه . وبالتالي؛ فالباب مفتوح لكل من امتلك الأداة والوسيلة، والنتيجة: (فأمَّا الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) الرعد/17، والقرآن الكريم أوسع من أن يُحدَّ بفهم أو رأي، والإسلام أكبر من أن يَرسم معالـمَه عالمٌ أو مفكر ، وموقفنا حيال المفسرين، على اختلاف مذاهبهم، موقف من يطالب بوحدة قياس متحدة، وإن اختلفت أسماؤها، والمهم فيها حدُّها وقدها . وأنا أفهم أن اختلاف الصحابة رضي الله عنهم كان في الأسماء دون الحدود، وكلٌ كان في فهمه جزءاً من الإسلام ليشكل الإسلامُ في النهاية كلَّهم .
فهل تغيَّر الإسلام فلم يعد قادراً على استيعابنا سنياً و شيعياً و معتزلياً وسواه، أم تغيرنا نحن؛ لنضع فهومنا موضع الحاكم على الدين والإسلام ؟
وكلٌ يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
ولنقفْ ونحن نرفض تفسيراً خاطئاً موقفاً واحداً، ولو تعددت مصادر هذا التفسير مذهبياً، فالحق أحق أن يُتبع؛ ظهر في جماعتي أوفي جماعة أخرى، ما دام الجميع ينهلون من معين واحد، وإن اختلفت أسماء أوانيهم، فالماء العذب لايُرفض لعدم الاتفاق على إناء واحد بشكل متحد .

العالم : يرى بعضهم أن مشكلة المسلمين في دعاتهم . ما رأيكم بهذا ؟ وماذا تقترحون من طرق ووسائل لإعداد دعاة قادرين على القيام بالعملية التغييرية من خلال الظروف المحيطة، والإمكانات المتاحة؟
د.عكام : لا بد للداعية من معرفة الخطاب الذي ينطلق منه، والمخاطَب الذي ينطلق إليه، ولابد له من جرأة وشجاعة وقوة تغدو الدافع له ليطرح ما يؤمن به دون تأثر بالمغريات الترهيبية والترغيبية . وحين نُفصِّل في ذلك نقول:
الداعية إنسانٌ : فكَّر، فاعتقد، فالتزم، فاطمأن، وقوي فدعا إلى الله على بصيرة . وهذا يعني أنه: أُُعِدَّ على مستوى التاريخ فوعى سننه، ومستوى الاجتماع فوعى أبعاده، وتعرف على متغيراته وثوابته ، ومستوى النص الذي هو القرآن الكريم وصحيح الحديث الشريف، فألمّ بعلومه، وتاريخه، وأدوات فهمه، وحصيلة ما فُهم منه عبر الأيام والسنين .
أخيراً، فالداعية المنشود : مؤمن ،مسلم، واع، ملتزم، محبٌّ، متحرك، شامل، واسع، يغلّف كلَّ ذلك إنسانيةٌ صادقة ظاهرة، وما لم تكن نسبة الإنسانية فيه أكثر من غيره فلا يصلح للدعوة .

العالم : الدعوة إلى الله أصيبت بارتكاسات كثيرة، هل يمكن تحديد بعض السلبيات من خلال الواقع، ليكون ذلك عوناً للداعين والعاملين في سلك الدعوة الإسلامية ؟
د.عكام : فشلُ الدعاة نتيجةٌ لسوء الإعداد، ونجاحهم مرتبط بحسن الإعداد الذي تحدثنا عنه في السؤال السابق ، والمهم في الأمر ألا يتحول الدعاة من دعاة إلى الإسلام إلى دعاة إلى مذهب، أوحزب، فذاك الذي يضرنا ويضيرنا . وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الداعية النموذج والقدوة والأسوة ؛ فلنلتمس حياته ونجاحه ومنهاجه، ولنسر على دربه . لقد أخفقنا لأننا صنعنا " إسلاميات " متعددة، ودعونا باسم شخصيات محددة ، وأوقفنا ومنعنا الفهوم المتجددة ، ولم نقتحم الحياة، ووهمنا وأوهمنا غيرنا أن التقوى تعني اللهجة المتشدِّدة . وألزمنا دعاتنا ومَن معنا بشكلية قضت على كل المضامين الفاعلة الخيّرة المتمرِّدة . وأمَتْنَنَا التفكيرَ لنُحييَ محلَّه تبريراً ، فصارت جرأتُنا وشجاعتنا وحياتنا حالةً متردية ومترددة .

العالم : كيف تنظرون إلى ما يسمى بالصحوة الإسلامية ؟ وهل توافقون أصلاً على هذا المصطلح ؟
د. عكام : أوافق على مصطلح " الصحوة الإسلامية " ما دمنا أهلَها وأبطالها وفاعليها والقائمين بها ، وأرفضها كلمة مخدِّرة ينشرها غيرنا في جونا، ليمارس علينا من خلالها ضغطاً، أو ليصادر تطلعاتنا وآمالنا، ويوقفنا عندها سقفاً لا نتجاوزه بحالته الراهنة، على أنها المأمول المنتظر . لذا فإني إذ أعرِف من أطلق هذا المصطلح، أستطيع أن أحدد الموقف أكثر .

العالم : ألا ترون أن العامل الاقتصادي لعب دوراً أساسياً في انبعاث الصحوة الإسلامية من جديد ؟
د. عكام : للعامل الاقتصادي دورُه، ولكن ليس له كل الدور، وإلا فلماذا ينتشر الإسلام بحركاته في بيئات مستقرة اقتصادياً، ويغزو بآثاره عائلات غير منزعجة اقتصادياً أو مادياً ؟ قد نشعر بالعامل الاقتصادي يحرك؛ لأنه العامل المباشر الذي يلامس الجسد، والناس يتساوون بالإحساس الجسدي جوعاً وعطشاً، وألماً وقسوة، وعلى هذا فالاقتصاد محرك مباشر، ولكنه ليس الأساس . إن ما يدفع الناس لتقبُّل الحركات الإسلامية؛ هو أنهم يشعرون أن الإسلام يغطي كل ساحاتهم، وأن غيثَه يغمر كلَّ أرضهم؛ مادة ومعنى، نفساً وروحاً . وخلال إقامتي في فرنسا كنت أرى أحوالاً كهذه .

العالم : كيف تنظرون إلى مسألة الوحدة الإسلامية ؟
د.عكام : الوحدة الإسلامية أمل ... وأن يكون على المسلمين جميعاً قيادة واحدة أمل ... ولكن لا بد لهذه الوحدة من تصور وخطة واضحين، وأهم مقوماتها : أن نلتقي ونسعى للقاء، دون ألقاب وتسميات، فالإسلام يكفينا اسماً وموضوعاً ومنهاجاً . ولنترك لغيرنا صناعة الفِرق والطوائف، فليس حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم : صلى الله عليه وآله وسلم " وستفترق أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة " إن صحَّ تكليفاً ، وإنما هو تنبيه فلنحذر . ولنكثر من اللقاءات الموسعة، والاجتماعات التي تضم الفئات المختلفة، ولنبحث فيها عن القواسم المشتركة، وإنها موجودة ، لنتبناها عاملَ وحدة بيننا، وما أظن قواسمنا تعجز عن أن تمدنا باللقاء، وهناك قواسم أقل وأضعف جمعت غيرنا في أوربا وأميركا والهند والصين .

العالم : ما رأيكم بمسألة الديمقراطية في الإسلام، وهل يسمح الإسلام بوجود المعارضة ؟
د.عكام : المعارضة والمعارضون قضية لا تحتمل نقاشاً وحواراً في الوجود، ولكن الأمر والحوار والنقاش يتعلّق بالتنظيم، إذ لكل دولة أو حزب قانونُه في تنظيم المعارضة الخاصة به والتابعة له، والمهم في النهاية أن ينتفي الإرهاب، والقهر، والقسر، وأن يحلَّ محلَّ ذلك الحوارُ الجاد، والدعوة الواعية، والتسامح الإنساني الراقي . وأظن أن التاريخ يشهد لنا في ذلك، وترتفع في صفحاته رايات " الديمقراطية " أوضح مما يمكن أن تظهر في صفحات غيرنا، لأن الإسلام بثوابته، يقوم على تكريم الإنسان وتقديره واحترامه :
(ولقد كرمنا بني آدم ) الإسراء/70 .
(وقولوا للناس حسناً ) البقرة/83 .
(قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس ) الناس/1-3 .
وهل الديمقراطية في النهاية إلا هذا في أرقى مستوياتها ؟ والتجربة ، كما يقال ، أكبر برهان .

التعليقات

شاركنا بتعليق