آخر تحديث: الأحد 14 يوليو 2019
عكام


أخبار صحـفيـة

   
حوار مجلة العالم الصادرة في لندن

حوار مجلة العالم الصادرة في لندن

تاريخ الإضافة: 1996/06/01 | عدد المشاهدات: 2215

العدد 543 حزيران 1996

د. عكام :
يتَّسم الاستشراق بسمة عصره، ويأخذ طابع طبيعته، ويمكن أن يكون الاستغراب كذلك، وليس الانفتاح من جهة ما على جهة أخرى متَّهماً دائماً، إذ التعايش يأخذ حيِّزاً احتمالياً أيضاً في تكوين إرادة التعرُّف والدراسة والاطلاع .
لقد أتى حين من الدهر علت فيه راية الشرق ودخلت عالم الغرب، وأسست هناك قواعد وروَّجت أفكاراً، وإن شئت قل " عقائد "، وكان لكلمة " الشرق " و " الشرقيين " جرس خاص، ودلالات دقيقة ذات أبعاد مختلفة الألوان، إذا كانت الألوان رمزاً يعبر عن حالات الإنسان النفسية ومستويات القبول والرفض عنده . فمن الأبعاد ما كان أسود شديد الرفض، لأن مضمون الشرق في ذهن أصحاب هذا اللون عدوان واعتداء وقهر وتسلط ، ومنها ما كان شديد القبول، لأن المضمون عند أرباب هذا اللون رسالة سماء، وانتشال روح كادت تغرق في خناقات التشويش العقدي والتشريعي ، والتدرج بين اللونين، سلباً وإيجاباً، متداخلَين، له روَّاده وأصحابه .
ويوم أن انتهى فصلُ علوِّ الشرق، وعاد الغربُ يسطِّر عناوين صفحات عصر التنوير، والثورات الصناعية، والاقتدارات العلمية، برزت من جديد ردة فعل قادها أحفاد اللون الأسود القديم، وأرادوا انتقاماً، ولكنهم عقلنوه، وهم الأقدر على إعطاء الأفعال صبغة العقلانية، مادام السنان بيدهم، والآلة تخرج مصنَّعة من ديارهم ، وجهدوا في تغييب الدافع الديني من لائحة دوافعهم،لاسيما وأنَّ " الحروب الصليبية " في رأيهم تكفي من أجل أن تكون القوة الرادة لفعل الشرق إذا حمل الدين الإسلامي إليهم ، وحدث الانتقام المعقلن في إراءة أهل الشرق سوء ما تميَّزوا به، على حد زعمهم، من فكر وفلسفة ونصوص، من خلال دراسات استشراقية تناولت المضامين واتسمت بالتحاملية، وأفرزت " زيهر، رينان، جب " . وما كان الغرب يومها خالي الوفاض من موالين أظهروا مودتهم بلسان العلم، وجرى بهم القلم إلى اعترافات بامتيازات الشرق، واقتداره على تقديم كبير خدمة للإنسان في جوَّاه وداخله " لوبون مونو " .
وفي هذه الحقبة بالذات عبَّر بعضهم فقال : " الاستشراق طلائع الاستعمار، وها هو يمهِّد لاستعمار حدث في نهايات القرن السابق، وبدايات القرن الراهن " .
يمكن القول الآن : إنَّ الاستعمار قد انتهى وبقي الاستشراق، وتحوّل مساره بعد اطلاع قريب، ومعرفة تعبر الواقع، وانقلبت الطلائع الاستعمارية إلى مناهج دراسية، وأضحى لسان الحال ينطق أحياناً : ومن الذي قال إنَّ الشرق لا يملك معطيات خيِّرة يفيد منها الإنسان. وخفَّت حدة التحاملية، أو سقطت، وارتسمت في خارطة الدراسات الاستشراقية مناهج مختلفة متباينة .
1- منها ما أوجبت تطبيق الأسلوب الغربي في دراسة مضامين الشرق، وقد رُفضت هذه من قبل مثقفي الشرق ورجالاته، لأنهم رأوا في تطبيق أساليب الغرب نتائج غير مقبولة أو معقولة، وكادت هذه الدراسات تنسف غيبيات وتقضي على اعتقادات؛ فهل يقبل أو يُعقل أن يكون "محمد صلى الله عليه وآله وسلم " بطلاً فحسب ؟! وهل نرضى أن يغدو الإسلام حلقة لا امتياز لها في سلسلة الأديان ؟!
وما أظن أن واحداً منا يقبل أيضاً أن يكون القرآن الكريم متغيِّراً برمته، ومتحولاً كله، وأن لا ثوابت، وإنما الوعاء الزمني هو الحاكم على الدلالات كلها، يُبقي ما يبقي، ويفني ما يفني، وتأثر بعض المثقفين المسلمين بذلك ودخلوا المعمعة نفسها، ورددوا صدى هؤلاء، وكتابة " طه حسين " ، وما قاله " علي عبد الرازق " ، وما أنتجته عبارات الإمام " محمد عبده " في بعض الأحايين شواهد على ذلك .
2- ومن الدراسات : ما اكتفت بالجمع والموسوعية والتحقيقية، وأدت دوراً هاماً في تبيان خفايا خير، وإظهار قديم كاد يُنسى، وما أظن أن ذلك خاف على الدارسين، وإ ن كان التحرز من هذا النوع قد سرى على علماء الشرق، تأثراً بما فعلته الدراسات السابقة، وصدرت العبارات التالية : " سمٌّ في دسم "، " ولا تأمنوهم وإن أظهروا خيراً فالعبرة بالنية " .
3 ـ وتحركت دراسات أخرى نحو الميدان نفسه، فجال أصحابها الشرق، وحطَّت أقدامهم على بره وبحره وصحرائه، بحثاً عن شخصية مؤثرة، أو مخطوطة لها كبير أثر، أو مكان كان قد أثَّر في الزمن الماضي، من خلال أحداثه التي شكَّلت منه معلماً وموئلاً، وأوَّل من يطالعنا من هؤلاء "ماسينيون وهويبحث عن حلاَّجه " ، و " ريتر وهو يفتش عن الحسن البصري " ، وغيرهم .
4- وقامت دراسات أخرى، ولعلها مَن أنجبت الاستشراق الحديث، أو كانت سلفه، فاتجهت إلى التاريخ وفلسفته، والقرآن وعلومه، والحديث وسنده، وكل ما يمكن أن يكون من إفرازات الواقع الإسلامي السابق،وناقشته بشيء من التجرد، وأعلنت خدمته، لأنه يحوي روائع لا تتبدى روعتها إلا إذا اتُّخذت لها قوالبُ معاصرة، تشكِّل مواد علوم مكتشفة حديثة : " الأنتربولوجيا، الأركيولوجيا، الأتنولوجيا، الإيبستمولوجيا، اللانكويستك، ... "، ورحت تشم من بعضهم رائحة الوصاية على مخزون الشرق العظيم، بسبب قدرة أولئك على العلوم والأساليب المذكورة.
وجاء الاستشراق الحديث بعد منتصف القرن الراهن، بل بعد ثلاثة أرباعه، وهو يحمل أبعاد الماضي، وتمخض الظرف هذا عن الألوان السابقة محتوَاة متبنَّاة، وتراءت فيه كله .
إلا أن شيئاً جديداً حدث في هذه الفترة، وهو ما يُسمى بالتحرك الثقافي للبحث عن إمكانية التعايش، فتحول الاستشراق أو أغلبه إلى دراسات تعرّفية جادة، وجهد في أن يلبس لبوس الموضوعية، وتبادل مع مثقفي الشرق المعطيات العلمية على طاولة التفاوض المتناظر، ورحت تلمح بعض دراسات يمكن أن تكوِّن منطلق دراسات " أنتربولوجية "، يتقاسمها كلٌ من الشرق والغرب، لأنهم بجمعهم قادرون على تقديم الصورة الكلية للإنسان، كلٌ في مجاله واختصاصه، واعترف القسيم بقدرة نظيره،وإمكان تغطيته لشيء ما من تطلعات الإنسان، ولاحت في الأفق لوامع من هذا، وحسبنا أن نشير هنا إلى سجلات المؤتمرات الاستشراقية - الاستغرابية، لاسيما ما جرى منها بعد بداية القرن الخامس عشر الهجري، وقد شاركتُ في مؤتمر مطلع القرن الخامس عشر الهجري الذي نظمته منظمة المؤتمر الإسلامي في اليونسكو " باريس " عام /1981/م، ودعت إليه شرقيين وغربيين، ومستغربين وشرقيين، وأسفر المؤتمر عن توصيات هامة فيما يتعلق بالتبادل الثقافي من أجل إفادة متبادلة .
وأخيراً وليس آخراً، لأن الكلمات هنا رؤية وليست بحثاً علمياً، فالاستشراق اليوم غدا عبارة من عبارات التاريخ المعاصر، ومصطلحاً من مصطلحاته، وعلى هذا فهو يحتاج إلى دراسة دلالية، ذات شقين ومستويين، دون أن يكون هناك اختلاط بينهما، فما أسقطَه من دلالات في الحقبة الماضية القريبة، لم تعد ضمن إسقاطاته اليوم قطعاً، فاستشراق الأمس متحامل، واستشراق اليوم يبدو راغباً في موضوعية، ونازعاً إلى حيادية، وطامعاً في معرفة تعايشية، فهل يَقْدِرُ شرق اليوم على إشغال الغرب، والإجابة على كل تساؤلاته الإنسانية، فيما يتعلق بالرسالات السماوية ، وحسب الغرب المستشرق بعدها أن يردد كلمة الإمام الغزالي : " طلبنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله " .
ويا أيها المستشرقون تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم هي الحوار، وألا يبخس بعضنا بضاعة بعض، والرائد لكلَينا: ( يا أيها الإنسان ما غرَّك بربك الكريم الذي خلقك فسوَّك فعدلك ) الانفطار/6، و ( اقرأ باسم ربك ) العلق/ 1 .

التعليقات

شاركنا بتعليق