آخر تحديث: الجمعة 19 إبريل 2019
عكام


نــــــــــــدوات

   
ندوة التسامح والمحبة في بناء الأوطان

ندوة التسامح والمحبة في بناء الأوطان

تاريخ الإضافة: 2000/01/01 | عدد المشاهدات: 6200

المركز الثقافي العربي بمدينة مارع
ضمن فعاليات البرنامج الثقافي الذي تقيمه مديرية الثقافة في حلب

- قدم فضيلة الدكتور الشيخ محمود عكام مشاركة تحت عنوان : التسامح بين النص والممارسة
وذلك في ندوة التسامح والمحبة في بناء الأوطان المنعقدة في المركز الثقافي العربي بمدينة مارع ضمن فعاليات البرنامج الثقافي الذي تقيمه مديرية الثقافة في حلب .

أ- التسامح مفهوماً :
إن المفهومات الإنسانية لا يمكن أن تقارب المصطلحات العلمية من حيث الدقة والضبط ، ولا يمكن أن يُجمع الناس فيها على تعريف وتحديد واحد ، وثمةَ صعوبة أخرى تتجلى في التطبيق بعد التحديد ، أي بالبحث عن " المصاديق " في الواقع والعمل .
وسبب ذلك كله هو أن المفهومات الإنسانية تُعرِّف وتحدِّد أشياء ناطقة ومتحركة ونامية ومجردة ، فلا توجد إلا حين يُنتجها الإنسان ، فهي موضع عقله وتفكيره ومتأثرة بظروفه المتبدلة وانحيازاته المتحولة ، وتتعلق بسلوكه وفهمه المتغيِّرين .
ولعلنا بعد هذا الموجز الإشكالي - حين نسعى للحديث عن مفهوم " التسامح " - ندرك ما نلقاه وما سنلقاه من عنت ومشقة ، ونحن نبغي التحديد والتعريف ، لا سيما وأن المصطلح المعنيَّ - وهو التسامح - سُجِّل له في دراسات مختلفة أكثر من عشرين تعريفاً ، فعلى سبيل المثال يقول الدكتور حسن حنفي في تعريف " التعصب " الذي هو مقابل التسامح ومن باب " بضدها تتميز الأشياء " : " التعصب هو الانحياز إلى شيء من الأشياء : فكرة أو مبدأ أو معتقد أو شخص ، إما مع أو ضد ، ويظهر التعصب في مجالات متعددة أهمها الدين والفكر والسياسة والقومية
(1) " ، ويقول عن التسامح بأنه : " استعداد المرء لأن يترك للآخر حرية التعبير عن رأيه ، ولو مخالفاً ولو خطأً (2) " .
وأما ناصيف نصار المفكر اللبناني فيقول : " إن السمة الظاهرة الأولى للفرد المتعصب هو أنه لا يحب المناقشة ، لأنه يعتقد أن رأيه صحيح تماماً .... ولا يحب الحوار ، وإن تظاهر بالدخول فيه ، ويميل إلى مجموعة قليلة وبسيطة من الآراء ، ويعمد إلى فرضها لمنع الرأي المخالف من الانتشار والظهور
(3)" .
وفي مقابل هاتيك الصفات للمتعصب سيغدو المتسامح محباً للنقاش ، غير جازم بصحة رأيه ، ولا يعمدالى فرض قناعاته على الآخرين ، ويسمح لآراء الآخرين بالتفاعل مع آرائه ، لتتكاثر أفكاره وتتسع رؤيته للحياة
(4).
وها نحن نذكر هنا أيضاً الإجابات المتعددة التي تلقتها منظمة " اليونيسكو " عن سؤالها الذي طرحته عام 1995
(5) : ما هو التسامح ؟
فكان من الإجابات :
- التسامح هو احترام حقوق الآخرين وحرياتهم .
- التسامح هو اعتراف وقبول بالاختلافات الفردية ، وتعلم كيفية الإصغاء للآخرين والاتصال بهم وفهمه .
- التسامح هو تقدير التنوع والاختلاف الثقافي ، وهو انفتاح على أفكار الآخرين وفلسفاتهم ، منبثق من الرغبة في التعلم والاطلاع على ما عند الآخرين ، والاستعداد لعدم رفض ما لا نعرفه .
- التسامح هو الاعتراف بأن ليس هناك فرد أو ثقافة أو وطن أو ديانة تحتكر المعرفة والحقيقة .
- التسامح هو شكل من أشكال الحرية وعدم التحيز وعدم التمسك بالأفكار ، فالمتسامح هو سيد رأيه وفعله.
- التسامح هو موقف إيجابي تجاه الآخرون دون أي مقدار من الاستعلاء
(6) .
- وأضيف هنا تعريفي الذي سجلته في رسالة نشرتها تحت عنوان " 11/9/2001
(7)" تعليقات ومصارحات ومناشدات " حيث قلت : " التعصب هو : اجتماع قوة على غير حق ولغير حق " . في حين أن التسامح هو : " تعاون قوى عقلية وفكرية وحركية تعاوناً بنّاءاً للوصول إلى حق من أجل الحق ، وهذا التعاون سحتوي في تجاويفه على اعترافات متبادلة بين القوى المتعاونة ، كلٍّ بالأخرى ، ومن دون استعلاء " .

ب- التسامح في مصاديقه من خلال الحضارة العربية الإسلامية :
يجب أن نميز بين منهجين في دراسة التسامح في الحضارة المذكورة :
فالأول : منهج اعتماد النصوص من قرآن كريم وسنة شريفة .
والثاني : اعتماد التاريخ وممارساته .
ونستعجل فنقول : إن المنهج الأول هو الأكثر رواجاً اليوم ، ويَلجأ إليه أرباب مخاطبة الجماهير البسيطة .
أما المنهج الثاني فهو - في رأينا - ما يجب تشريحه وبحثه ، حتى نكو على بينة من أمرنا ونحن نتحدث عن المفاهيم الإنسانية ورصدها من المكلَّفين لا من المكلِّف ، وإلا فما الذي سنجنيه من فائدة لو كان ثمة فجوة هائلة بين التكليف في نصوصه ، وبين التنفيذ في واقعه ؟! سوى التقريعِ من المكلِّف ( كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تعلمون
(8)) ، والرفضِ من قبل الآخر الذي لا ينتظر منا تنميق ألفاظ ، بل همُّه أن يرى انسجاماً بين القول الجميل وفعله في الواقع والحياة .
بيد أننا نبغي ممن يتعرَّض لبعض المفاهيم الإنسانية بالدراسة والبحث أن يتناولها عبر المنهجين معاً ، فإنَّ في اقتصاره على واحد منهما إجحافاً وظلماً .
فالذين كتبوا عن التسامح وسواه من المفاهيم في الحضارة الإسلامية ، من خلال التاريخ فقط ظلموا الإسلام وشوهوه ، وكذلك الذين كتبوا عنه من خلال النصوص فحسب ظلموه أيضاً بإبعاده عن مسرح الحياة وتقلباتها ، ونؤكد هنا على أننا نفضّل أن تُدرس الحضارة الإسلامية ممارسة تاريخية ، لا مثالاً مجرداً مختبئاً في النصوص ، ونصوصاً مطبقة في الواقعة ، لا ممارسة مجردة عن المستندات النظرية .
وما قلنا هذا عن المنهجين إلا لأن العلماء المهتمين بثقافة الإنسان لاحظوا أن الزمن التاريخي - بطبيعته المختلفة - له دوره البارز في حسن سيرورة المفهوم الإنساني أو في سوءِها ، والإنسان في النهاية ابن ظرفه وبيئته .
وعلى هذا لا يمكن أن نتصور إنساناً مسلماً يعيش - على سبيل المثال - في بيئة فقيرة غير متعلمة ، ويعاني في ظلالها من ظروف اقتصادية صعبة ، يكون متسامحاً ومتقبلاً للانفتاح والتغيير ، حتى ولو كان يحفظ كل الآيات والأحاديث الداعية إلى الحرية والتسامح ، لأنه سيفسر كل هاتيك النصوص حسب سياق الزمن وظروفه الذي عيش فيها .
ومن هنا نرى أنه من الأفضل أن نتحدث عن ظروف الإنسان العربي أو المسلم التي مرَّ بها ، حينما نبتغي دراسة فكرة التسامح في حضارتنا
(9) .
وقديماً قال ابن خلدون : " فالعصور تختلف باختلاف ما يحدث فيها من الأمور والقبائل والعصبيات ، وتختلف باختلاف المصالح ، ولكل واحدة منها حكم يخصه ، لطفٌ من الله بعباده
(10)" .

ج - وبتطبيق المنهجين معاً على حضارتنا نرى :
أن التسامح بمعانيه المختلفة توزّع على مساحات واسعة من تلك الحضارة ، ولعل أول وجه منه تسجله لنا هذه الحضارة هو عدم الإكراه في الدين ، ولأول مرة في التاريخ يتقبل فيها دينُ حضارةٍ قوية التعايشَ مع ديانات أخرى من غير اضطهاد ، ولا إجبار على الدخول في الديانة الرسمية للحضارة الحاكمة .
صحيح أن تسميات أهل الكتاب والذمة تعبر عن درجة أدنى ، إلا أنها في الوقت نفسه - وبمقاييس ذلك الزمن - تعبّر عن وضع تنظيمي أفضل وأكثر أمناً للإنسان ، الذي لا تُحترم كرامته إلا حين يوافق دينُه دينَ الملك الذي يحكمه
(11).
ولو قارنا هذا الوضع بوضع الاضطهاد الديني الذي عاشته أوروبا في القرون الوسطة ( 500 - 1500 ) وبدايات القرون الحديثة ، ضد مذاهبها المختلفة الكاثولوكية والبروتستانتية الأرثوذكسية ، فضلاً عن الديانات المخالفة لها ، لعرفنا مدى ما تحمله التسميات ( ذمي ، أهل كتاب ) من تسامح أفضل وأمن أوسع .
في ظل هذا المبدأ التسامحي وسط الحضارة العربية الإسلامية ، نشأ في القرن الرابع الهجري جيل من المفكرين شغلتهم قضية الإنسان ، وقد ضمّ هذا الجيل مجموعةً من الأدباء والفلاسفة كالجاحظ وابن مسكويه والتوحيدي ، وإن اهتمام هذا الجيل بالإنسان يعني اهتمامه بالعلاقات التي تربطه بالإنسان فحسب الذي لا يشترك معه في الدين ، كما يعني اهتمامه بإنسانية الإنسان وحقه في العيش وبما يحقق سعادته الدنيوية ، وهذه الاهتمامات تشكل أهم مرتكزات التسامح .
ولن أقتصر على الإشراقات لأذكر - معترفاً بالتقصير - نقاطاً أو بالأحرى مساحات من تاريخنا تجلى فيها التعصب صفة سائدة للإنسان المتدين آنذاك ، ويكفي أن أشير إلى تهمة ابن المقفع والبيروني والطبري بالمروق ، ومعاناة ابن رشد في فترة لاحقة ، وكذلك ما ألحق من سوء بالمعتزلة وإخوان الصفا ، وحتى الأئمة الأربعة ، فقد طالتهم آثار التعصب فسجن بعضهم ، وعُذِّب الآخر ، واتُّهم ثالث ... وهكذا ، .... وما ابن حزم ومعاناته أيضاً عنا ببعيد .

د - وأخيراً ، يبرز تساؤل عن مصير " التسامح " اليوم في ثقافتنا الدينية والوطنية :
والجواب على ذلك صعب جداً ، وأحياناً محرج ، لأننا - ويجب أن نعترف - مقصرون جداً - فيما يخص مناهجنا التدريسية - في تحديد المواد الأهم التي تقتضي منا الثقافة الحرة تدريسها بعد دراستها ، وتأتي " الانتربولوجيا " على رأس هذه المواد في الأهمية ، والأنتربولوجيا هي علم الإنسان ، وموضوعها - إن فصّلنا بعض الشيء - الإنسانُ من الناحية البيولوجية والثقافية والاجتماعية ، واختلاف الثقافات وتنوعها ، من غير تحيّز أو احتقار .
إن من شأن هذا المقرر أن يعلمنا كيف يُخلق التعصب فينا ، وكيف نقاومه ، ولماذا تحتلف ثقافة الإنسان من مكان إلى آخر ، ومن دولة إلى أخرى ، ومن دين إلى دين ، ومن حضارة إلى حضارة .
وبعبارة أخرى : يجب أن نُعنى بالدين الذي هو مكوِّن أساس للثقافة ، من حيث كزنه نصوصاً منفتحة على الإنسان أياً كان ، وعلى الأرض مهما امتدت ، وعلى الزمن بكل احتمالات صروفه وظروفه ، ومؤسِّسة لاستعداد جاد عملي من أجل استقبال كل المتغيرات والتحولات الإنسانية على أنها طبيعية ، ضمن خط الوجود الممتد من البداية إلى النهاية : ( يا أيها الإنسان ما غرَّك بربك الكريم . الذي سواك فعدلك
(12) ) .
ذلك هو التساؤل من المطلَق يتوجه للمقيَّد عن سبب غير مبرَّر لغروره وتعصبه وانغلاقه عن النظير والمثيل والأخ والمواطن والمجاور والمحاور .
وفي نهاية النهاية ( وقولوا للناس حسناً
(13) ) هو مفتاح لثقافة " التسامح " و " التعاون " و ...


( 1-2-3) مجموعة مؤلفين " أضواء على التعصب " من أديب اسحق إلى ناصيف نصار . دار أمواج ، ط 1 / 1993 . ص 175 ، 207 .
(4) المرجع نفسه : ص 176.
(5) سمَّت المنظمة المذكورة عام 1995 عاماً دولياً للتسامح .
(6) انظر نشرة " مختارات في التربية والعلوم والثقافة " ، اللجنة البحرينية الوطنية للتربية والعلوم والقافة ، 1996 .
(7) انظر : محمود عكام " 11/9/2001 تعليقات ومصارحات ومناشدات " دار فصلت ، حلب 2001 .
(8) سورة الصف / 3
(9) علي أحمد الديري " التربية ومؤسسات البرمجة الرمزية " المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، ص120
(10) ابن خلدون " المقدمة " تحقيق د. الجويد ، المكتبة العصرية ، بيروت 2002
(11) علي أحمد الديري ، مرجع سابق ، ص 124
(12) الانفطار /6-7
(13) البقرة / 83

التعليقات

شاركنا بتعليق