آخر تحديث: الأربعاء 03 مارس 2021
عكام


أخبار صحـفيـة

   
"كلنا شركاء" يحاور مفتي حلب د. محمود عكام 2/4

"كلنا شركاء" يحاور مفتي حلب د. محمود عكام 2/4

تاريخ الإضافة: 2008/09/14 | عدد المشاهدات: 4550

" كلنا شركاء".. والخوف من " كلنا مشركين"

نتابع في هذا الجزء الثاني حوارنا مع فضيلة المفتي الدكتور محمود عكام، تحت عنوان "نحن كلنا شركاء في الوطن.. والخوف من أن نصبح كلنا مشركين في الوطن"، بعد أن تحدث في الجزء الأول عن سلوكيات الإنسان المعاصر، ودور رجال الدين، ودور العبادة في توعية الإنسان، والخطاب الديني.

وفضيلة الدكتور محمود عكام من مواليد 1952 هو مفتي حلب ومستشار وزير الأوقاف لشؤون التعليم الشرعي والتوجيه والإرشاد وخطيب جامع التوحيد بحلب، ورئيس لجنة التوجيه والإرشاد الديني بحلب، وأستاذ محاضر في كليتي الحقوق والتربية بجامعة حلب، وله ما يزيد على خمسة وثلاثين كتاباً.

والدكتور محمود يحمل شهادة الدكتوراه في الفكر الإسلامي السياسي من جامعة السوربون عام 1983، له موقع على الانترنت ينشر فيه حواراته ومحاضراته وأبحاثه وخطبه وفتاويه: www.akkam.org

(قبل بدء الجزء الثاني من الحوار يطلب فضيلة الدكتور بلطف كبير لكي يستقبل وفداً تونسياً من العلماء والمشايخ جاؤوا للسلام عليه وتحيته بناء على موعد مسبق، وهكذا شرفني فضيلة الدكتور حضور اللقاء بشفافية مؤثرة جداً لي وللضيوف معاً).

الجزء الثاني من الحوار:

"كل عربي هو مشروع متطرف مستقبلاً"

"التطرف لا يمكن أن ينمو إلا في البيئات المتخلفة والجاهلة"

"نحن لنا سلف صالح ولكن أشك بأن نكون سلفاً صالحاً لأبنائنا"

"نحن أمةٌ تحبُ الشكل وتعشقه وتهتم به على حساب المضمون"

"عندما أخافك وأخاف من أن أخالفك فأنت متطرف حينها"

"ما أكثر السياسيين وما أقل المثقفين، وما أكثر المتسيسين وما أقل المتثقفين"

"يا رجال الدين ورجال الثقافة ابتعدوا عن السياسيين"

"نصيحتي لأهل الدين والسياسة والاقتصاد كفانا حديثاً عن الوحدة الوطنية"

"الوحدة الوطنية كالفتاة في عمر الزواج نعرضها أمام كل وفد أجنبي"

مسؤوليات رجال الدين الاجتماعية والإنسانية:

كلنا شركاء: ما هي أهم المسؤوليات الاجتماعية والإنسانية التي يتغافل عنها رجل الدين في يومنا هذا برأيك ؟

د. عكام: المسؤولية الأخلاقية هي أهم مسؤولية اجتماعية وإنسانية يتغافل عنها رجل الدين في وقتنا الحاضر، فأنا أقول لنفسي ولكل رجال الدين على مختلف أديانهم: تخلّقوا لأن الأخلاق هي التي يحتاج إليها المجتمع، ولا يمكن له أن يتطور إلا إذا رأى الأخلاق التي تدعون إليها مجسدةً فيكم.

كثيراً ما تُلقى التهم على رجال الدين في تقصيرهم بواجباتهم الاجتماعية، واهتمامهم بمصالحهم الشخصية، من له الحق في لفت نظر أو نقد رجل الدين ؟

كل الناس معنيون بلفت نظر رجل الدين، وكل أفراد المجتمع معنيون بتقديم النصيحة لرجل الدين، فرجل الدين لا يختلف عن باقي الناس في تقبل النصيحة (وأنا اسمي النقد نصحاً). وأين هو رجل الدين الذي يتقبل النقد في هذه الأيام ؟ أنا شخصياً أتقبل النصح وآمل و أرجو وأناشد كل رجال الدين بأن يتقبلوا النصح من الناصحين، وأتوجه للناصحين في أن يتبعوا الأساليب الإنسانية في نصحهم.

كلنا شركاء: هل يُدرك رجال الدين التأثيرات الاجتماعية لكل التغيرات التكنولوجية التي طرأت على العالم، وعلى وسائل الاتصال ؟

د. عكام: كل إنسان يدرك تأثيرات هذه المتغيرات وليس فقط رجال الدين، ولكن هناك تفاوت في الاستعداد للمواجهة فمن تراه يتثاقل أو يبتعد من الخوض في تأثيرات هذه الوسائل يدفعه الكسل وعدم السعي الجاد إلى التعامل مع هذه التغيرات.

الانترنت والفضائيات والموبايلات:

كلنا شركاء: صدرت فتوى في مصر بمنع وضع الآيات القرآنية كنغمة للموبايلات (حتى لا تُقطع الآية عند الرد على المكالمة، أو عند استعمال الموبايل في أماكن غير لائقة)، ما حكمك عليها كمفتٍ لمدينة حلب ؟

د. عكام: نحن نتعامل اليوم مع القرآن الكريم بجوانب أفظع من هذا المثل، فلا نحرم أو نمنع تلاوة القرآن أثناء التعازي بحيث يدخل الناس لتقديم التعازي والقارئ يقرأ ولا أحد يلتفت أو يستمع إليه، وعندما يدخل المسؤول أو المقتدر مالياً فيقوم الجميع ليرحبوا به ويسلموا عليه، ويصافحوه ويشكروا حضوره متناسين تلاوة آيات القرآن الكريم والاستماع إليها.

فالقضية إما أن نتحدث عن الأصل ونقوم بمنع كل ما يُخالف الأصل، أو أن نأتي إلى بعض الأغصان لنقول عنها أنها فاسدة دون أن نشير إلى الساق الفاسدة التي أنبتت هذه الأغصان.

كلنا شركاء: ما هي الغاية من وضع الآيات القرآنية كنغمة لأجهزة الموبايل برأيك ؟

د. عكام: لكي يُشعرَ صاحبَ الموبايل شيخه أو من هم حوله بأنه رجل ملتزم بدينه، فما عاد من برهان على التدين إلا الشكليات وللأسف، وأحياناً قد يُغير النغمة إذا اقتضت الحاجة أو تبدلَ حالٌ بحال.

(في بداية الحوار، رنَّ جهاز الموبايل للدكتور، فكانت نغمته موسيقى عادية وهادئة جداً، فتذكر حينها أن يضعه على الوضع الصامت)

كلنا شركاء: هل تتوقع مستقبلاً أن يصبح الآذان عبر الانترنت إلى كل بيت من خلال برامج دردشة خاصة، بدلاً عن مكبرات الصوت ؟

د. عكام: لا أتوقع ذلك، لأننا نحن أمةٌ تحبُ الشكل وتعشقه وتهتمُّ به على حساب المضمون، وهي تُجاهد كي لا يقع ذلك لأنه قد يُلغي شكلاً تحبه وتتمظهر من خلاله على أنها تنتمي وتعتقد... الخ، فنحن أمة شكلية.

علاقة الإنسان بالعمل والصلاة:

كلنا شركاء: يتكِّل بعض الناس على الصلاة فقط طلباً للمال و الرزق، ما هي نصيحتك للناس ؟

د. عكام: إن الصلاة التي هي الدعاء، وقد جاء في حديث شريف: أن "الدعاء مخُ العبادة"، و "العمل عبادة"، فلا بدّ من العمل حتى يكون هناك مخ، فليس بالإمكان أن يبقى المخ إذا تخلف عن العبادة (العمل)، أما أن تدعو من دون عمل فهذا تعطيل للأسباب التي أُمرنا أن نتخذها، وأن نعمل دون أن ندعو فهذا نسيان لصاحب الفضل علينا وهو الله.

كلنا شركاء: إذا كانت الصلاة أثناء العمل تؤثر على طبيعة العمل (بيع للزبائن، شراء، خط إنتاج في معمل...) أيهما أولى: المحافظة على فرصة العمل، أم تركه لأجل الالتزام بمواعيد الصلاة ؟

د. عكام: إن العلاقة ما بين الإنسان وبين الله مبنية على المصالحة، والعلاقة مع العباد مبنية على المُشاححة، وأنا عندما أكون في علاقة مع اثنين أحدهما يتحمل كثيراً، والآخر لا يتحمل مثل الأول، فمن الطبيعي أن أنفذ عملي الذي أتعامل به مع الثاني لأنه لا يتحمل ومن ثم أتحول للتعامل مع الآخر الذي يتحمل.

المخالفات، الانتفاع، المصلحة الشخصية:

كلنا شركاء: يتردد دائماً على ألسنة رجال الدين بأننا شعب مؤمن وتاريخنا يشهد لنا على ذلك، فلماذا نرى كل هذه المخالفات والإساءات والتجاوزات وعدم الالتزام بالقوانين ؟

د. عكام: أنا لا يمكنني القيام بإجراء عملية جراحية لمريض اعتماداً على أن أبي كان طبيباً وجدي كان طبيباً كذلك من قبله، إن لم أدرس العلم والطب وأفهمه وأطبقه.

كلنا شركاء: هل حافظنا على ما ترك لنا الآباء والأجداد من الآثار والتراث والبيئة والعادات ؟ وبأي حال سنسلمها لأبنائنا مستقبلاً ؟

د. عكام: لم نحسن التصرف مع ما تركه لنا الآباء والأجداد، لا بل بددنا هذه الثروات ولن نورث للأحفاد منها شيئاً، بل سنورثهم سلوكيات خاطئة وعادات سيئة، فنحن لنا سلف صالح ولكن أشك في أن نكون سلفاً صالحاً لمن بعدنا.

مواكبة العلم، انتشار المظاهر المتدينة، التطرف:

كلنا شركاء: ما هو الفرق بين التدين والتطرف ؟

د. عكام: التدين والتطرف بينهم خط فاصل و واضح جداً، ألا وهو الأسلوب، فعندما يدعو المتدين برفق ويحاوِر برفق أيضاً فهو متدين، أما عندما يدعو بعنف ويرفض الحوار فهو متطرف. فالفرق هو في أسلوب الدعوة، فعندما آمنك وأنت تحاورني فأنت متدين، وعندما أخافك وأخاف من أن أخالفك فأنت متطرف.

كلنا شركاء: من الظواهر الحالية على المشهد السوري هو انحسار الثقافة، مع انتشار المظاهر المتدينة، وهناك قلق من انتشار التطرف من خلال التشدد في تطبيق تعاليم الدين، كيف تصف هذا الواقع ؟

د. عكام: نعم هناك انحسار للثقافة بلا شك، وقد يكون من الأسباب هو البحث عن القوت، لكنه ليس كل الأسباب، وإنما هناك أيضاً انشغال الناس بالسياسة أو إشغالهم بالسياسة، والسياسة لعينة، فهي تقضي على الثقافة، وكلما دخلت السياسة من الباب هربت الثقافة من الشباك، و تجُدُّ السياسة الآن في اصطناع ثقافة لها أسميها أنا "ثقافة تبريرية".

فما أكثر السياسيين وما أقل المثقفين، وما أكثر المتسيسين وما أقل المتثقفين، و"الفرق بين الزعيم والسياسي هو أن الزعيم يفكر بالأجيال القادمة بينما السياسي يفكر بالانتخابات القادمة"، ونحن لا نبحث عن ما يكفينا بل نبحث عن ما يطغينا في حاجات و أمور العيش.

كلنا شركاء: ولكن هناك قلق من انتشار التطرف من خلال التشدد في تطبيق تعاليم الدين ؟

د. عكام: دائماً في أي بؤرة اجتماعية تنحسر فيها الثقافة، فنحن نتحدث حتماً عن مدّ للتطرف فيها، لأن التطرف لا يمكن أن ينمو إلا في البيئات المتخلفة والجاهلة، فالجهل تربة خصبة كي يُزرع وينمو فيها التطرف، ودائماً اللهجة المتطرفة في المجتمعات المتخلفة هي التي تنتصر (تكلم السيفُ فاسكت أيها القلم).

كلنا شركاء: هل صحيح قولك بأن كل عربي هو مشروع متطرف في المستقبل ؟

د. عكام: نعم من دون تردد فما دام هو في حالة تردٍّ أخلاقي وعلمي وغير ذلك فهو مشروع متطرفْ و أرض خصبة لاستبناته.

كلنا شركاء: هل يمكن أن يحمل التطرف والمغالاة في التدين حلولاً اجتماعية لهذا الزمن المعاصر والمفتوح ؟

د. عكام: لا أبداً بل بالعكس، ما كان السمُ دواءً في يوم من الأيام، ولكن يمكن أن يكون السمُ بعضَ الدواء وليس كله.

كلنا شركاء: بلغ عدد المسلمون في أوروبا وأمريكا الملايين وتقبلوا واقعه، فلماذا لا يتقبل المسلم المتشدد مظاهر الحرية الاجتماعية والعادات والتقاليد لكافة أطياف المجتمع في الوطن ؟

د. عكام: لأن في الغرب لا يسمعُ الناس من حكام تلك الدول بأن بلدهم بلد التاريخ والحضارة والتدين والأخلاق والسمو والرفعة وعاصمة الثقافة الإسلامية والإسلام الصافي والدين والإنجيل... بينما هنا يُقال للناس بأن سوريا بلد الإسلام والأردن بلد الإسلام والهاشمية ومصر وغيرها (فمن فمك أدينك)، حددوا هوية البلد رجاءً حتى نُحاوركم !!..

كلنا شركاء: وهل أستطيع أن أحاور رجل دين برأيك عن أن سوريا ليس بلداً إسلامياً وهو بلد العيش المشترك لكل أبنائه ؟

د. عكام: أنا أرجو بأن يقول لي القائمون على الأمر ماهية هذا البلد حتى أحاورهم وعبر أي قناة أخاطبهم، فأنا كمفتٍ بماذا وكيف سأجيب الناس عندما يسألونني عن حفل منقول على شاشة التلفزيون فيه رقص ومجون، بينما يفتتح التلفزيون بثه يومياً بآيات من القرآن الكريم، فما هذا التناقض ؟ و ما لدافع وراء هذا ؟ وما الدافع وراء ذاك ؟

كلنا شركاء: كيف يتم حماية خصوصية المجتمع السوري بعيشه المشترك الذي تهدده مظاهر التدين أو التطرف، من التغيير والتأثير السلبي عليه ؟

د. عكام: سأرد على هذا السؤال بمثل يقول: "إجا للعميان صبي مفتحْ... من كتر التلميس عورولو عيونه"، فنحن لدينا هذه النعمة الجيدة في البلد، ومن كثر ما تكلمنا عنها وتغنينا بها وأتى على ذكرها السياسيون... ثارت حفائظ الناس، وكأنه لم يبق لدى سوريا سوى هذه الإيجابية لنتحدث عنها ونسينا كل سيئات الدنيا.

فالوحدة الوطنية ليست صنيعة السياسيين، بل هي من أصالة البلد، وقد قلتها يوماً من على شاشة التلفزيون "بأن الحديث عن الوحدة الوطنية وعن التعايش، كالحديث عن الحر في الصيف"، فالأمر طبيعي ومن نسيج البد الأصلي وتكوينه الأساسي.

كلنا شركاء: وهل لديك هاجساً نحو تراجع هذه الوحدة الوطنية ؟

د. عكام: لا أبداً، وليس لدي أي هاجس تجاهها، ولكن نصيحتي لأهل الدين والسياسة والاقتصاد "كفى حديثاً عن الوحدة الوطنية" فنحن نعيشها وحسبنا. وأيضاً كي لا نثير حفيظة الآخرين أيضاً. وأنا أقول: لا تكونوا منّانين على أنفسكم وعلى العالم وأمام كل وفدٍ أوروبي يزور البلد تتحدثون له عن الوحدة الوطنية، كمن يعرض ابنته الوحيدة للزواج أمام كل ضيف يزوره.

كلنا شركاء: ولكن ألا توافقني الرأي بأن المسؤولية الكبرى هي لرجال الدين المسلمين ؟

د. عكام: لو بحثت في السلوك الخاص لرجل الدين لوجدته من أروع الناس، ولكن المشكلة هي أن أطرافاً أخرى كالسياسيين مثلاً قد يشحنوهم ويعبئون أفكارهم بأفكار أخرى.

فيا رجال الدين ورجال الثقافة ابتعدوا عن السياسيين لأن السياسيين استغلاليون "وقد يبيعوكم بليلة ما فيها ضوء قمر"، وإن كان لابد من قربهم من أجل نصحهم على أساس من أخوة ومواطنة ورحمة.

(يتبع الجزء الثالث حول عولمة الفتاوي الدينية، مكبرات المآذن، وخيم مجالس العزاء على الطرقات، تعدد الزوجات، رجل الدين والسياسة، وعلاقة المسلم بالمسيحي، المشهد القادم والتوقعات).

حاوره ريمون جرجي (كلنا شركاء ) 14/9/2008

لقراءة الحوار من المصدر، لطفاً اضغط هنا

التعليقات

شاركنا بتعليق